مصعب الرمادي: شاعرية شاعر شعرية نص

مقالات
موسى البحر

“إن الحياة سلسلة

من التحرر من سطوة

الآخرين ….

إن الحياة قصيرة.”

                          … مصعب الرمادي

الإيماءة… الإشارة… التلويحة… والبوح المتجلي والثورة المخبوءة والرفض والجرأة المشادة على أساس من التكوين الثقافي والبيئي والاجتماعي… المحدقة إمعاناً في السياسي والاجتماعي والعاطفي يشئ من الرفض… والواقفة على الخط المناوئ لكل ما هو غير بجميل… والجمال المشروع على فضاءات رحيبة لا تؤمن بالحدود أياً كانت وبأي تسمية سميت…. وأضواء الحرية التي تنوس بين مفردات النص لتضئ ذلك الصمت المنطوي على الإفصاح المؤسس على القيمة التي لاتعرف ولا تعترف بالرمادية وانكسارات (البين بين) والتموقع في مأساة (خير الأمور).

شيئاً من كل هذا يحرضك على الانتباه والوقوف دهشة لترى من هو الطارق ومن هو الآتي المتموثل في زمجرة عاصفة لا ككل العواصف لترى من هو ذلك الغاضب الحليم. لقد وقفنا كثيراً على أرصف المعاد والمكرور حتى تلبسنا ذلك الإحساس بأن الشعر في حالة سَكرة موت… وإن حواء الشعر سوف لن تنجب في بلادنا غير تلك العناقيد الأخيرة.. عاطف خيري ـ الصادق الرضي ـ والأصمعي ـ ونجلاء عثمان ـ وفاروق تاج السر.. الخ.. كعناقيد خريف العمر لها… وإن هذا هو أوان الرواية – القصة وإن الشعراء غادروا من متردم بعد أن أدركوا أن هذا الشعر يُهدى للتي هي الجحيم، فلاذوا فراراً صوب المحكي والمقصوص والمسرود.

لكن من بين العتمات برق لنا ضوء باهر قوي، لفنا بالانشداه والجهر… ومن بين الصمت جهر صوت المغايرة والاختلاف… الضوء لمصعب والصوت (الجهور) أيضاً لمصعب. ففي عام 1999م صدرت مجموعة شعرية صغيرة الحجم متواضعة لا تعدو الإحدى والستين صفحة لشعراء (مقهورين) ترهقهم فترة النشر في بلادي كان من بينهم مصعب الرمادي والآخران هما (فائز البشير البدوي -عبد الله طه اللبي) وكانت تلك المجموعة تسمى أصوات لجماعة بذات الاسم وإن لم تخني الذاكرة كان مؤسسها هو المبدع مصعب الرمادي… وكان (ثلاثتهم) أصواتا قوية تنبئ بميلاد مواهب جديرة بالإحاطة والاحتضان، إلا إن الملفت حقاً كان صوت مصعب فكان بحق الأكثر إبهارا والأقوى صوتاً.

“حبي إليكَ إذا نفذ

عودٌ من الكبريت مشتعلٌ بقاع البحر والسطح السماء

أوقن أنك لن تستطيع احتوائى

وأعلم إني لن استطيع الكتابة إليك

ولكن خلاصة كل حديثي الطويل إليك

ألفٌ…. حاءٌ… باءٌ… كافٌ

أحبك يا سيدي…

هذه شهادة حبي إليك”.

إن النص عند الرمادي هو اشتعال وحريق وفناء… وهو كون بذاته وعرش ومملكة فيها… المفردة (الفصيحة) هي السيدة الأولى وما عداها لا شئ. والرمادي له القدرة الذاتية على خلق كل ذلك الصخب، تلك القدرة التي ربما لا تقل عن قدرة السياب أو عن الصبور أو حجازي… فهو يعرف كيف يوظف المفردة لتبهر ولتخلق كل ذلك الجمال… فتجده مثلاً (فضة الصمت -ذهب الكلام)

“… وهو الشروع البليغ لافتقادك عنك

دون اكتشافك بأن الرحيل بداية حلم

وأن الرحيل هلاك

هو: بحث الخليقة عند بدئها

وسير الحقيقة عن سرها

 فتح النوافذ في كل شئ

وفتح مضاد.”.

حيث نجده يمتاز بالإمساك بخيوط النص بحذق ومهارة دون أن يترهل… أو دون اندفاع غير مضبوط وتداعٍ غير متّزن… فهنالك تدفق وانسياح، إلا أنه بمقدره فائقة على الضبط والتحكم، حيث إننا نجد في شعر الرمادي السيل (المفرداتي)… متوافقاً ومتوازياً مع الشعرية في نصوصه… (القصيدة-الشعر) فيأتي النص مرناً.. مطاوعاً لرغائب الشعرية، منذ نما معها منسجماً مع عمق المفردة التي دوماً نجدها تتمدد رأسياً محاورةً العمق… لتثير الأسئلة ولتبحث عنها.

فالقصيدة عنده ليست صراخ وعلٍ جريح كما يقولون… إنما هي… انبجاسة هالة ضوء على ظلمة الورق وقول شئ كان عليه أن يقال بالكيفية التي تطل على سطح الورقة عند الرمادي… فالمفصوح عنه… بالطريقة التي بنبغي أن يخرج بها إلى السطح وهو دأب القصيدة عند الرمادي… وهو ما يحقق الشاعرية والتوافق في نصه… دون ارتباك… أو تمدد أُفقي تتلاشى في فضاءاته وتتبدد متعة النص ولذته.

“إنها الآن تُحكم إغلاق حقيبتها

مثلما تُحكم إخفاء حقيقتها

مثل ما يتعرف صمت الغريب عليها

إن سراً دفيناً سيزلزل فرائصها ذات يوم

سيتركونها قاب قوسين من الحكم

فيصحو مُصادراً أمام الجميع

تطارده غيرة العاذل

وتمضغه الأعين الناهشة.”.

مهمة القصيدة عن الرمادي هي أن تبوح وتفصح عن كل ما هو كامن بالنفس من احتباسات بعنف وجرئه،

 لتكون المفردة في القصيدة هي فوهة ذلك الجحيم الرابض ليس فقط في دخيلة الشاعر وحده، إنما في دواخل النفس البشرية كلها، لذا تأتي القصيدة دوماً في شكل صورة بصرية متحالفة مع الرؤيا الفكرية ومواراة النفس (عاطفية-وجدانية) مع محاولة يائسة لاستلال سكين النوستالجيا المنغرسة أبداً في جوف القصيدة عمه…. وهذا ما يجعل القصيدة هي عبارة عن احتفاء بالوجود ومناجاة حزينة لشئ يهمس بعيداً كلما توغلت القصيدة في عمق الرؤيا…. وألحت في الالتماسات الخفية.

“دثريه أيتها النائبات

وإملائي جبة الوجد فيه

باشتهاء الردى/ وحنين التراب

على قمر وشمس يتفرق الدم بين القبائل

تشخب في حدود الحكاية

ولا تنام في الدخيلة عيون قريش

(لثويبة) ما تشتهيه من ثريد وقطن وتمر يثربي”

إن قصيدة الرمادي ما يميزها عن غيرها هو أنها تقوم باقتراح مسارات جديدة على مستوى الأداة والتكون وقيام العلائق بين المفردة وأختها لتتخذ شكلاً بنائياً نصيصاً فريداً.. وهذه هي الشعرية التي تنطلق من قاعدة: عن الشاعر يمتاز بشعرية ناضجة تقبع خلف شاعريته تجعله مسيطراً على القصيدة ممسكاً بخيوط ملاعبتها، مانعاً لها من التورط في أحوال التدفق والانسياح غير المفيد والتمدد المفضي إلى بعثرة الفكرة وتشتتها لتصبح القصيدة عبارة عن نص فارغ وتراصات لمفردات جوفاء.

وفي ذلك يقول الكاتب العراقي/ حاتم الصكر:.. إذا كانت الشاعرية كقدرة على التنظيم تخض نفسها وراء أسماء كالموهبة والمهارة الذاتية والقدرة الذاتية و الملكة والاستعداد… فإن الشعرية كمظهر لقوانين ذاتية نصية تثير مشكلات الأداء واتخاذ هيئة أو بنية نصية.

الرمادي صوت شعري قوي متميز ولد هكذا… شاعرٌ عميق الفكرة جامح الخيال.. يعرف فوق كل ذلك كيف يتعامل مع المفردة والحالة الشاعرية التي عليها، فهو بذلك شاعر بقامة عبد الصبور وحجازي وأمل في مصر والسياب والبياتي بأرض الرافدين وأودنيس في الشام غير أنه بطعم مختلف… ونكهة خاصة.

“يا سيد الخلق/ كيف تكشف السيرة/ أبوابنا/ أبواب بيتك/ كيف تنهض

أمة كاملة/ في قلب رجل واحد..

رجلٌ واجدٌ مشرق في ضياء الحقيقة

مشرف في الكـمـال.