طَحْنُ المَجَاز: في (الَّتِي بَعْدَ البَرْجَل لـ أمير شمعون)

مقالات
ناجي البدوي

(.. مضغتُ عتبتي

بدمامةٍ حنون

ـ الغائر في النفير ـ

تبدو مذنوباً

والبددُ بيديه الناعمتين يُمَطِّرُ السَّهر

اللهاثُ يهزُّ ذيله كمياهٍ نَفَساء..).

(في عِرْقِه ينبحُ المخلب

من صوته يسقطُ الرِّيش…).

*

   خلَّفت الفترة الرومانسية جراحاً غائرة في تجربة الكتابة الشعرية، بأن دَهنتْ أفقها بِحِيَلٍ مهلوِسة تبتعدُ في استبدالاتها المخزية لتجربة الكتابة الشعرية داخل النصوص الأدبية وكمال صنعتها، وزاغت في تاريخ الشعر شخصية الشاعر في المحل الجمالي للنص الشعري ذاته، والأفق الذي يفتحه في الذائقة والحدوس الانسانية. فأمسى العالم مشغولاً بالثرثرة العجولة بالقرب من ما يخطرُ من تهويم حول شخصية الشاعر الفيزيائية والاجتماعية وسلوكاته. فهو رومانسي ليس في مغامرة الكتابة وتدريب الذاكرة على البحث والتجريب، إنما في أشياء أخرى تغتربُ في وصْلاتها مع تجربته الشعرية ذاتها، في وجود خطل الأغراض الشعرية ذات الصفات الهَرمة، من زاوية النظر الأفقية للعالم وأسئلته داخل مغامرة النصوص الشعرية، (حس شاعري/ ذوق شاعري/ هزيمة شاعرية)؛ فانقرضَ في الغياب (العَمَى المُغَامِرُ) مُبتعداً عن خيال العين التي ترعى انزلاقها في شراك النص بغاية المتعة وامتحان الأنين. تَمَنَّع في زاوية الرؤية هذه الشاعر الآخر (ما يحدسه العمى المغامر من صور أثناء ترويضه للبياض العَالِم)، ولم تتضح دوالها المبذرة هنا وهناك داخل بياض النص الشعري، فاستطال في الذائقة عُنفُوان التعريف الشاعري للعالم والأشياء؛ ومن ثمَّ الأفق الذي لا يُستساغ في اللاَّزمة: (جو شاعري/ نص شاعري/ سؤال شاعري)، وغاب الجمال والمغامرة عن ذاكرة التجربة الشعرية.

*

(إنها كتابةٌ بالطير على كوكبٍ ميِّت في بطنِ القارئ…).

العمى المُغامِر هو القنَّاص الذي يَستدرجُ الحدوس وليس طفُوحات المشاعر والأحاسيس الانسانية الجاهزة وقواعدها المعدة ـ لاستغلال (المكْرُوبين) بلا جمالٍ في الظن أو خيالاتٍ في بذرة الروح _ لأنه إذ يجترح العالم من (طُندبة الذات) وتَرْحيلاتها القلقة، لا تدخلُ في طويته التعريفات الجاهزة لعالم كان، حتى تسقي عالم سيكون في ولاداتها داخل النص وشظاياه التي لاتكتمل، وإنما تُقادُ في الأرق المرير إلى أفق يتغذى على العين ومشاهداتها وغيابها فيما تتقصاه من سؤال. الشاعر إذاً في هذه التسوية ليس هو ذو الأحاسيس الرقيقة وأسطورتها، وليس السالب في عدمها عند الناحية الأخرى، كما هو ليس راوي الخارج أو بُوق مُتَنَفَّسات القبيلة والأيدولوجيا، إنما خَيَّاط قُماشات النور _ حسب (التي بعد البرجل لـ أمير شمعون/ دار عزة للنشر في العام2003م). هو همباتي الباطن الذي يَتَصيَّر، كلما لوَّعته الحدوس فيُفوِّط الذاكرة من نسيانها بغاية الغياب في جمالاتها ومعرفة وسبر العميق من طيات نُدرة البشري في البشري ذاته، ومن ثَمّ العالم والأرض وخيالها والحياة وطريقها ذو الثعالب.

*

     تنتقلُ الكتابة في (التي بعد البرجل) من الترويض الأوَّلي لبياضات الذاكرة/ الباطن /الواقع/ الذات/ المحو/ الهباء/ الاسم وتاريخه/ التاريخ/ الخيالات /المُتلمَّس من أفق… وإمساكات العمى المغامِر للحظاتٍ ما مؤلمة. في تاريخ وجوده المُتشظي وأحياناً وجوده ذي الصيرورات الهينة، إلى مكان الألفة ودواله المزروعة في حوَّاشات النص الشعري، كأنما الكتابة هي قنص المُوحش بغاية امتحان الأنين والجهات، ومن ثمَّ إقالة الحدس الأوَّلي من صفته التي تقصد الكلام في تعيينها لا اللغة ورِيالتها الطويلة ـ في الانتقال بين الصيرورة وهزيمتها إلى خيال الصور الشعرية الملقاة على قارعة الجمال هناك وخلخلة المعقول ـ لتُقام من بَعدُ، وفي الأثناء، عمارة النص الشعري المسترسل في استدراج كل ما يحُومُ في الذاكرة (ذاكرة المكان الأليف/ مكان الألفة) من خُسرانٍ وأمل مفجوع…إلخ.

 في الجملة الشعرية تلعقُ اللغة الفصحى اللغة العامية بتلذُّذ متبادل، فتخلق الترحيلات والخلخلة بين الهالات المقتضبة لإحالة اللغة العامية المستلمة بواسطة القارئ وهجمات اللايقين من قبل اللغة الفصحى، ومن ثم المجاز الفني العجيب المقتسم بينهما، فيتعين على القارئ الذهاب في مجاورات لصيقة بعمى الدوال أثناء استيقاظ المكان الأليف في سريرة النص، فيُغمَر بلذة أولى لا تكتمل فيقترب أكثر بلاذاكرة سوى ذلك الصندوق الفارغ لسؤال اللوعة.

 (ورَّاقون سُود

يخْرِتون أُمباز بحَّتي الواحدة من سبيطة الليل).

(لكن اللَّقاطات

في كواكبهنّ الجريحة

يتقاذفنَ صيروراتك يا فرتوح…).

   ثمة من يلهو باقتدار في البعثرة الفاتنة لدوال (مكان الألفة/ العالم) وأسئلته والمكان الأليف وبعثرته في ممكن الصفات والأسرار، دافعاً الحواس لحلق شهواتها القريبة، لينمو الأرق وشجن الأرخبيلات الفنية وكذا الفقدان…إلخ. لكنْ مَنْ يلهو معي بكلابه بين أزقة النص، سوى العمى المغامِر وهو لا يُرى ولا تُمْسَك أطرافه لأنه دائم في صيرورته كتابةً وخيالاً وبحراناً مادحاً في الفرجات. ثمة استدراج كامل للذكريات المنتقلة خارج محمولاتها الشخصية للكاتب أو عماه المغامر ذي الهندسة الخفيفة بين منعطفات النصوص الشعرية الثلاثة (ذئبة تطبخ الأزرق، الأصفر من خزَّان، لهب يجرجر القطَّاف)، واستدراج لذكريات القارئ في اللحظة المتقاطعة أو التي ستتقاطع في اللازمة/ وجود بعد القفزة الأولى بالقرب من شراك النص الشعري ومن ثم شعريته التي انزلقت من عتبات الشعرية وتاريخها: (أرسطو/ تودوروف/ أدونيس) في المُقايسة الفنية بين ما هو شعري وما تنبغي شعرنته إن جازت الصياغة.

الفعل المضارع في الذهن النحوي يدل على الاستمرارية اللامتناهية للفعل الفني، في وقت ومحل، ومن ثَمّ المعنى المشدوه في الجملة وخيالها. وهو نواة الانصات المجذوب ـ في التي بعد البرجل ـ لإيقاع الصيرورة وهي تتنقل بين تعيينها وبين غيابها عنه، في تسوية تبني عمران المجاز الفني على أرض القراءة وتحرثها في الجدة، كأنما هي مضارعة الصيرورة أثناء العمى المغامر ذي العيدان والخلاء والمتع الضارية، ليس الصيرورة الثابتة، إنما المجازِفة في ترحيلاتها صحبة الأفق وممكن قرائن معناه المبذر بين الإنساني والأسطوري والحكايات والذكريات والليل العارف وصوت الروح. فالفعل المضارع تَخَارَجَ من زمانيته فب لبوس الدلالة على عصيان اللامتناهي ودفْع الصور الشعرية إلى مطلق المعنى ليذهب مجذوباًَ إلى تفقُّد مضارعته في شطر الجمال.

(مَن المثبِّت فقده بمشابك النوم على حبل الصُّفْرَة؟).

*

     هل ثمة علاقة في الظاهر بين الزراعة والكتابة؟. أم أنَّ الزراعة ذاتها هي كتابة في باطن وجود مَنْ يضعُ البذرة الرَّائية في مجاز الأرض؟.كل حركات البشري كتابة من زاوية الجمال الذي يترقرقُ في عين مَنْ يرى، وحدوس مَنْ يقترب أكثر من صياغة التعريفات المُتَفلِّتة للأشياء والعالم. لأنَّ العين التي رأت في (التي بعد البرجل) رأت الخميرة في مُشاهدات ذكية لطيات الذاكرة (ذاكرة المكان الأليف/العالم) وأسئلته المُخزية، ومن ثمَّ أنصت العمى المغامر للأضداد وهي تتلاسنُ وتُقيم حواراتها بكل ما في الموحش من نشيد وبكل ما في صرة اللغة من غني وجسارة. وتُواجه في منتصف النص بما يُوحي كسراب يطوي غَلَفَة الهناك (الأفق/الطريق/التيه الأسطوري للباطن/الممرات المتناحرة للغياب/ الغيبوبة والحبيب…إلخ). وتُقامُ الغزلة بالهندسة التي لم تخطر في مخيلة (المكان الأليف/ السافنا السودانية وأرض خيالها)، كأنما هي عزلة الصِّفر بين الطوية ومُدَّاحها.

(سَمِّني الواقفَ في الدهر خاصِيَ الندم،

سَمِّني الجريديَّ

سَمِّني رِدفَ المشيئةِ البدينة،

وانظرني كيف أبدو

والمشيئةُ تنحني لتُوْدِعَ ريحها العتيقة في أُذُنِ النور،

أعرقُ اْمرأةً لو مَسَّني الله).

(أنا فَرتُوح الهمْباتي، تيس الله السكران…).

أسطورة (الهمْباتي) القديمة غُسلت من دلالاتها ومحمولاتها التاريخية واستُدرجت للتعريف الذي سِقَايَتُهُ  حيلٌ لغوية جديدة من لَدُن اللعبة الفنية ذاتها، التي تُوحى بالمعنى وتُقَرِّصه في خذلانه حتى لا يتعين في يقين مَنْ غايته معنى مُنجز ونهائي. فهو مُبعثرٌ بين شتلةٍ وأخرى بين الممكن ولعاب المتعة وبين شجرة تشتهي تعيينها الأثير داخل حوَّاشات النص. كله يخطُرُ إذاً في مخيلة العمى المغامر (أو الصوت المُتمنِّع بين سُطُوعات النص الشعري) وهذا فيما يعني: مُغافلة الأشياء المُستكينة لمعقولاتها لتتقدم في لُبُوسٍ ما، تستدرجُ لهو المجازفة الفنية إلى الزاوية التي تُعيدُ حرث خيالها أكثر من لمعان، ومن ثمَّ يتسللُ الجمال إلى عُروشه المُعلَّقة بين بذرة النص وما تراه من بُغيات تستطيلُ فاتحةً النَّفس على أفقها اللامُتَعيَّن والقراءة على أرقها الحميم.

(..مثل أبكم عاشق

ألوِّنُ طفولتي: هاكَ حبيبي

طالعان من دمي يَقرُشان هلالاً جافاً

سوف أتبعُ البذور إلى هلاكها السمح

إلى البصيرة….).

   ثمة ما يُوهمُ بمسرحٍ ما؛ لكنه يركضُ بدواله الآخذة في الامتحان، في الذي يتكوَّم أثناء القراءة. علاماتُ الترقيم ليست هي ذاتها التي تُعَدُّ من ضمن أدوات الانتقال المقصود بين لوحةٍ وأخرى، كأنما هي الدليلُ إلى لعبة الكتابة وما يختمر في خيال العمى المغامر من حيل، فتنتقلُ القراءةُ وفق طيش دليلها ـ في السُّرعان المُشرِق للجملة الشعرية وحميَّتها ـ إلى المحل الغاوي، المُتلمَّس داخل خلفية النفس المندلقة، من حرصها على ثرثرة معنى ما، مخذول في تعيينه. في لعبةٍ تشبه لعبة المعنى المُتَبرِّم من استطالات الحياة، كلما حدَّق دخلها سؤال يتقصى بُغيات جاهزة. وأشدَّ هذه الأدوات حضوراً هي العلامة التي ترشدُ القارئ إلى عوَّةٍ أبديةٍ أثناء إقالة النص لحدوسه التي التصقت بذهن القارئ (علامة الحوار (:))، ومن ثمَّ تبدأ اللعبة اللامُتَعيَّنة كلوحة تتهرَّبُ دهشتها كلما اقترب المعنى من اكتماله فلا يستفيق. كأنما يُقامُ الحوار في الفرجة الأثيرة بين حنينٍ وآخر، أو بين اللوحات وخيالها الفرحان في عين مَنْ ترقرق في داخله دمعُ المجازات، فارتخى ليله ولم يكترث للُّيونة المنزلقة على ثيابه، من الألفة وتعريفها ومشاهدتها للممكن. بين ما يُقام وما يُقال في تسوية دواله، يحضُرُ حنين ولوعة (حاج الماحي) وآخرين غُسلوا في الترحيلات ـ داخل امتحان الكتابة ـ من التاريخ الجاهز القريب، وتمَّ تعريف دوالهم على أدوارها الجديدة في استدراج الذائقة إلى غوايةٍ لم تخطو في حُسبان القارئ، لأنَّ المكان الأليف المُستطيل داخل الذاكرة تعيَّنت في هذيانه صفاتٌ تَبني عالم ما سيكون؛ وفقَ خلخلة عالم ما كان: (الصور المُبذرة داخل ذاكرة المكان الأليف/ الغربة ذات الممرات/ اليأس العجوز/مشاهد الغيبوبة وهي تقذفُ بنُواة الطريق للخارج/لفظة (سَجم الرَّماد) في الخُذلان السوداني….إلخ).يصيرُ المكان الجغرافي خُلوداً كلما كُوِّنتْ صوره داخل المكان الذي (يَنْفَرِشُ) في الذاكرة بشجره: (العُشَرْ/ السيَّال/ النخيل/ السِّدر/ اللَّعوت/ المرِخْ…)، وأيضاً: ( ود ابن آدم/ الأنوثة/حيوانه وليله/ موسيقاه وريفه الأنيس/ هوامشه الأسيانة والصباحات.

 (مسندُ البرية

الخلاءُ جَردلٌ أدرك ختانة المعدن

فوق التلة الذهبية كيفكُنَّ

تُعَشرَكُن الختانة

يا عُشراتُ آيغس….).

 تتقافزُ داخل ذاكرة الشعري في هذا المكان/ أرض السافنا، بعضٌ من ذكريات الطفولة التي أسهمت في استدراج الجزء الحي من كتاب الألفة إلى داخل قرائن الكتابة ذاتها: (البئر بالقرب من أو على مبعدة من القرية أو الحارة/ طاحونة الحارة/ الحلة. وذلك ينمو في صوت الأم وهي تُنادي من خلف (الصَّريف أو النَّفاج). فمثلاً (الحَبَّوبة/ جلب الماء أو طحن الذرة /الدَّخُن/ القمح…).فيعرفُ أثناؤها الشعريُّ لهاثَ الخارج/ العالم؛ ويقفُ في المسافة بينه وبين استعادته غير المقصودة سؤالُ الوجودات التي أقيمت من قبل، لتخلق صورها الشعرية في التجربة من بعد وأثناء الكتابة، وهي من أثمن اللحظات التي تُستعاد في ذاكرة الشعري فيما بعد، لأنه الوقتُ قبل العمى؛ الطفولةُ المجذوبةُ ولُعبها: (أم الصِّلص/ حَرِّينا/ صَفْرَجَتْ…). ومن ثمَّ الانتقال إلى الجمالي بالمعرفة المُترحِّلة وخلق تعريفات جديدة في المُراوحة الفنية للذكريات، بما للحقيقي من صلف وامتناع الخيالي في نَواة المجهول قبل الكتابة.

(حجران يلدان النار

وكائنان يرطنان عشبةً محترقة

عينُ طريدتك تلمس كتف البكاء

قفا جمالٌ يَتَسَيَّر،

في بكاءٍ مُقمرٍ يدُ حبيبك مُرَّةٌ في يدِك….).

أفقٌ ما يُباغتُ عين الدلالة التي تلتصقُ في ذهن القارئ، من عناوين النصوص الثلاثة (ذئبةُ تطبُخُ الأزرق لمن ذئبةٌ ذئبة/الأصفر من خزَّان/ لهبٌ يجرجرُ القُّطَّاف من غُرف الذئبة). ودوال كثيرة تدخلُ ضمن الاقتراحات التي تنبني أثناء القراءة عن الأفق الذي يُثرثرُ قدام القارئ ـ (الخلاء وحدوسه/ الجهات الخصبة من الإنساني/ عشيقاتُ الزوبعة بجهاتهن وأحلامهن/ الحلم كما ينبغي لأفق/ اللَّون ومماساته/ الألفة وطبولها / الحنَّاء على أطراف الخجل/ الطريق وقد انتحب/ الضياع الآدمي للأرض أو الضياع الأرضي لآدم السلوان وكذا…) ـ وهو: أي الأفق، لا يتعيَّن وفق ما فاض عن خيال العين، كأن يقف خيالٌ ما على مرتفعٍ تتدلى بمحاذاته كل طيوف الإنساني، فلايستفيق من سكْرته/ سكْرة العين وقد امتلأت أو القلب وقد أصابه الوجد.

أمبدة

نوفمبر 2007م

Share