عوالم جمال محجوب السَّردية: من ذاكرة أتوبيوغرافيَّة إلى ذاكرة دلالية

مقالات
د. أحمد الصادق

(ما ذنبها الأوطان أن كان منفانا الزمان) نجيب سرور

أردت لهذه الورقة أن تسعى لكشفِ أحوالِ السرد عند الروائي العالمي جمال محجوب، إلا أن (دور القارئ) هنا مفقود، حيث أن التواصل مع مُنجَزِهِ شبه مقطوع، ولم نقرأ، فيما يبدو، أعماله، أوقل عملاً واحداً فقط، إلا من رَحِمَ، ولذا ترددت في البدء في الكتابة حول روايات جمال محجوب بسبب هذا القصور في عدم قراءة أعماله، فضلت أن أكون منصفاً مع القارئ أولاً، وفي حق جمال نفسه ثانياً، وأنتظر حيناً ريثما تُقرَأ روايات جمال بالسودان، وأتمني أن لا يدوم ذلك طويلاً، أحاول لذلك أن أعرض سريعاً بعض ملامح السرد في منجزه ومن ثم عرضها بشكلٍ موجزٍ، وأتناول العنوان أعلاه: (عوالم جمال محجوب السردية: من ذاكرة أتوبيوغرافية إلى ذاكرة دلالية).

 كتب جمال بضعة قصص قصيرة وسبع روايات هي: رحلة صانع المطر (1989م)، أجنحة من غبار (1994م)، ساعة نحس/علامات الساعة (1996م)، الساعي (1998)، سفر الجن (2003م)، الأزرق النوبي/ بالفرنسية (2006م)، خط الأفق المتلاشي تدريجياً (2006م).  وموضوعاتها تتراوح ما بين: (أسئلة هوية، البحث عن ذات، الدولة ما بعد الكولونيالية، آثار الاستعمار، العلم والحداثة، الحب…إلخ)، وقد فازت إحدى قصصه بجائزة صحيفة الغارديان، وأعتقد أن المرحوم خالد الكد قد ترجمها للغة العربية، وهو، في اعتقادي، العمل الوحيد الذي تُرجِمَ له، كذلك كان في نية المرحوم خالد الكد ترجمة بعض من روايات جمال ولكن الموت عاجله، وعموماً جمال مقلٌّ في كتابة القصة القصيرة.

من الأعمال أعلاه يبدو واضحاً تسكين بعض ملامح السيرة الذاتية في متن النص، أوالنصوص السردية لجمال علي وجه العموم، إلا أن نسيج النصوص في روايات جمال لم يكتف فقط باستدعاء ملامح السيرة الذاتية، وإنما استدعى أيضاً مشاهد أخرى، خاصة في رواية علامات الساعة التي استدعى فيها لحظة المهدية (وهنا نذكر عرض مؤرخ العصر الوسيط سبولدنج الرائع لتلك الرواية)، وكذلك في روايته التي ظلت باللغة الفرنسية حتى الآن (الأزرق النوبي)، حيث التقط لحظة بناء السد العالي وتداعياتها وتجلياتها على الواقع الاجتماعي لمنطقة النوبة القديمة بالسودان.

أمر آخر لا بد من الإشارة إليه، وهو أن الأعمال الأدبية التي تُسمَّى عادةً  أدباً كولونيالياً ـ وهذا يمثل في سياقنا هذا ذاكرة كولونيالية طبق الأصل، وذلك بقراءة استشراقية لـ(ذات) المستعمر، ممثلةً في متن الخطاب الكولونيالي (نصوص كولونيالية) ـ كانت قد كُتبت من قبل. وخلافاً لكل السياقات، حُظِيَ السودان بتلك الكتابات، وهي كتابات في تحليلها النهائي عملت على تشكيل صورة (آخر) من ذواتنا التي قُذِفَ بها خارج التاريخ، كذلك لم نستطع قلب جَدَل (دَال ومدلول/ شكل ومضمون) فقد ظل المعنى اعتباطياً، وكما سنرى لاحقاً، فإن جمال محجوب وصحبه الميامين في زمن الكتابة التي رُدَّت على الإمبراطورية وما بعد الكولونيالية، قد نجحوا في قلب ذلك الجدل وصارت العلاقة جدلية.

يمكن هنا في هذا السياق، أن نذكر بعضاً من ما كُتِبَ في ذات السياق، وبعض النصوص المُنتَجَة في أزمنة الاستعمار في السودان، وبخاصةٍ القرن التاسع عشر، مثلاً:

عصور قديمة: (هليودوراس). في القرن الخامس الميلادي الذي كتب عمله Ethioka في 460 م.

المهدية: (حكاية محمد الدنقلاوي). (فاتنة المهدي)، (مأساة كورسكو)، (أسير المتمهدي)، (الرياش الأربع).

القرن العشرين: (طبول الخرطوم) هذه تذكِّر بمؤلف لكتاب ألماني هو: (طبول الدراويش: المهدي المنتظر 1932)، جنقارة (حرب الجنوب).

في أواخر عقد الستينيات: السر حسن فضل (أجمل أيامهم)، وتاج السر محجوب (فجر الخلاص)،

في أواخر عقد الثمانينات: (فرانسيس دينج).

تلك هي بعض ملامح منجز الكتابة الكولونيالية التي أسَّسَ (جمال) اختلافه عنها بكتابة سردياتٍ مغايرة، نسمع صوتها من الداخل، وليست هذه الجغرافيا التي علينا أن نصنع منها (نعيماً لخدمة النبلاء من أبنائنا) حسب قول إحدى زوجات الإداريين البريطانيين.

قلنا فيما سبق، إن كاتبنا قد لامس العديد من الأسئلة تتراوح بين ماهو يومي ومعاش ومباشر، آيديولوجي أحياناً، إلى أسئلة فلسفية عالية جداً؛ مثلاً في العلامات، قام جمال بتفسير الهندسة الكولونيالية للدولة في السودان سردياً، وهنا قَلَبَ جدل العلامة؛ فقد تحرك من أفق ذاكرة أوتوبيوغرافية (مثلما في عمله الأول: الرحلة) إلى الاعتماد مطلقاً على ذاكرة دلالية، وذلك بتحميل النص دلالات بإعادة تفسير التاريخ سردياً.

نجد أن الكاتب (مهموم) بكل ما يدور في هذا العالم (حرب، هوية متناصرة، متنافرة، متنازعة الديمقراطية، التنوير الحرية بكل مستوياتها) ولذلك نجدها قد تسربت إلى متن نصوصه.

هنا يمكن أن نقول إن جمال (متحرر) تماماً من (عُقَدِ) الهوية، إن جاز التعبير، مثلما ذَكَر هو بنفسه في جلسة ضمتنا ومجموعة من الكتاب بصحيفة السوداني، إذ قال أنه فنان، وكاتب ينتمي لأسئلة الكون جميعها. وقد ذكر أنه من الصعب إحالة أدبٍ ما إلى هويةٍ قومية، ذلك لأن الأدب ظاهرة إبداعية، وقد اتفق الكثيرون على أنها ظاهرة كونية.

مثلما ذكرتُ من قبل، فإن قناعة (جمال) بأن الجغرافيا (الممحوقة) المسماة (سوداناً) هي صنيعة كولونيالية، أو هي نتاج هندسة كولونيالية، ولذلك نجد أن كل أو معظم معالجاته، في متونه السردية، قد جاءت على هذا الأساس المفاهيمي والنظري، وهنا يمكن أن نقول بأن تطور واكتمال مشروعه السردي جاء من وعيه بالتاريخ والسوسيولوجيا، وهذا مرتبط لديه بوعيه بالكتابة المنجزة سردياً في هذا العالم، وهي مكشوفة أصلاً. وعلى أساسٍ من أن الأدبَ منجزٌ كوني، فقد تأثر (جمال) بكافكا وبورخيس وهمنجواي وجويس وكُتَّاب أمريكا اللاتينية وأوكتافيوباث وبِخَاصَّةٍ تأملاته المعروفة (متاهة العزلة) أو (الوحدة) في بعض الترجمات بالإضافة إلى ألْسُن عديدة تمور وتتلاطم في قعر ذاكرته (العربية، الإنجليزية، الفرنسية، الكاتالانية… إلخ)، أيضاً اشتغاله بالترجمة والصحافة… إلخ، وتنقَّل كثيراً بين السودان، بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، الدانمارك وأخيراً إسبانيا، ورغماً عن ذلك السفر والترحال، فقد ظل السودان والسواد، والآخر الغريب، والسودان كدولة وقطر وناس وتاريخ وثقافة، يشكل حضوراً كثيفاً. وفي هذا السياق كتب أحد النقاد معلِّقاً على أعماله قائلاً: تلتقي الكتابة الأدبية بالتاريخ في أعماله، العلم والخرافة. أزمنة مختلفة وألسن أكثر اختلافاً، في ذات الوقت الذي تجتمع فيه ثقافة مختلفة لأناس مختلفين في جغرافيا واحدة.

الأعمال الأولى لجمال كانت بمنتهى الوضوح، بمعنى تسكين السودان وتاريخه بذلك الأفق الذي أشرنا إليه، كما هنالك إشارة واضحة للنوبيين في شمال السودان الذين يسعون للمساواة مع أعراق أخرى، جيلٌ انتمى إليه والد جمال نفسه، وهو نوبيٌّ كما ذكرنا، وقد برزت هذه الإشارة في متن روايةٍ تحمل اسم (الأزرق النوبي)، والتي صدرت عام (2006م).

أجنحة من غبار (1994م):

جاءت رواية في قيمتها حول المنفى، حياة سوداني في المنفى، وكان التركيز على فترة ما بعد الاستقلال، وقد جاء النص (خفيفاً)، ولا يزال يستدعي شبه ذاكرة أوتوبيوغرافية، وكثير من المرح والقفشات واللغة الخالية من التعقيدات والتمييز، مثلما يحدث لاحقاً في آخر روايتين له.

الساعي (1998):

كشفت عن أرق (جمال)، كشف هو عن نفسه أنه قارئ مثالي، بأَرَقْ مثالي، كما يقول جيمس جويس الكاتب الإيرلندي في إحدى مقولاته الشهيرة، حيث استدعي هنا معرفته العلمية للتأمل من خلال السرد في تطور العلم، وفي تجليات الحداثة بأفقها العلمي، وبالتحديد علم الفلك؛ لِم لم تتجلى في الشرق العربي والإسلامي الذي بدأ المشروع أصلاً، هل هي قطيعة معرفية؟ أم موقف من العلمانية..إلخ، وقد وصف جمال موقفه قائلاً لكم: (أعجبت بالتطور العملي والفكري في أوروبا مثلما نراه في عصر النهضة، ولكم تساءلت لِم لم يظهر (يتجلى) في العالم الإسلامي؟) وقد أشار أحد النقاد إلى أن جمال قد استوعب ميشيل فوكو، وفيما قاله حول علاقات السلطة والمعرفة في هذه الرواية.

ساعة الإشارة/ علامات الساعة (1996):

مثلما أشرنا سابقاً، التقط جمال محجوب في (ساعة الإشارات) لحظة العقدين الأخيرة من القرن التاسع عشر؛ فترة المهدية، وأعاد تفسيرها سردياً وأسقط الحاضر على الماضي والعكس، ويبدو أن تفسيره كان بوعي كامل بالنصوص، تماماً مثلما امتلك وعياً بوضع الفكر على مستوى العقل والممارسة. الشخوص هنا (صورة) محمود محمد طه وغردون باشا والمهدي ـ Minor إلا أن الشخوص الرئيسية هي مجموعات المزارعين والرعاة والجنود.

هذا النص استثنائي جداً، إذ أن هنالك ظلالاً لكثيرٍ من نصوص الكولونيالية التي أشرنا إليها، والمؤرخ المعروف جي اسبولدنج قارنه بشكلٍ مباشر بالمؤلف الألماني أرنولد هيلريغل (طبول الدراويش: حياة المهدي المنتظر/ 1931م)، (أود في هذه السانحة أن أشكر الدكتور مجدي الجزولي على الترجمة من الألمانية لهذا العنوان). وذكر كذلك أن هذا النص الأخير للألماني هيلريغل جاء من حقل وقائع التاريخ، بينما امتلك (جمال) رخصةً ما بعد حداثية، أتاحت له إبداع نص جمالي بكل معنى الكلمة، مثلما ذكرنا، من لغاتٍ وألسنٍ عديدة، فهنا يمكن سماع نوبيه قديمة وبكل لهجاتها (دنقلاوية، كنزية، محس، سكوت، فادجا…. إلخ).

السفر مع الجن/ الرحيل مع الجن (2003م):

عودة مرة أخرى من (جمال) في هذه الرواية لملامح سيرة ذاتية مترجمة في متن النص، ولا ننسى هنا أن عناصر أوتوبيوغرافية مازالت تشتغل في نصوص جمال، ولكن ابتداءاً، في حسباني، من هذه الرواية، فإنها انحرفت قليلاً باتجاه ذاكرةٍ دلالية، تتكثف لغة السرد، وتصير كاشفةً لـ(ذات) المكان، وتصبح كلها لمسات شِعْرٍ في كل الأشياء. وهنا يحضرنا ما قاله إدوارد سعيد في بدايات مشروعه النقدي، أن أدب السيرة الذاتية يميل إلى ثيمة واحدة تتحرك بدرجات متفاوتة في نصوص مختلفة لكاتب واحد (1965م).

أشار أحد من عرضوا هذه الرواية إلى أنها عبارة عن ذاكرة جمعية لثقافات مختلفة، إضافةً إلى تاريخ شخصي، بحث (دون كيخوطي) لأمر/ شيء ما، غير محدد الهوية أوالملامح، ربما لا وجود له، كينونة ما، مستكينة فيما بين ترابط الماضي بالحاضر والمستقبل، وتعود ملامح سيرة (أوتوبيوغرافيا هنا بقوة) (يس) الشخصية المحورية في النص إنجليزي غير مكتمل/ ناقص، بل هوغير مكتمل/ ناقص في أشياء أخرى كثيرة. مثلاً يتحدث عربية صدئة his) Arabic is rusty)، إنه روح في حالِ أغرب الغرباء؛ من كان غريباً في وطنه، توهانٌ أو متاهةُ (يس) أكَّدَت على أنه فنان عظيم ـ جماليٌّ من طرازٍ رفيع ـ حالة اكتئابٍ وتمردٍ وثورةٍ على السائد واليومي، انغمس في حال (غوايةِ) الأسئلة، وهنا يمكن أن نزعم أنه يكمن عمق السرد عند (جمال) حيث سَمَت الأسئلة وارتفعت إلى هذا المستوى من (الحُرقة)، الأسئلة التي دفع بها بتؤدة، بلغته الباهرة المتلفعة ببهاءٍ رومانسيٍّ وصوفي.

أنا غريبٌ أينما حللت، لا أعرف لي تاريخاً إلا أن عليَّ استعادته، ولدت بين تاريخين متنازعين: التاريخ الذي زيَّفتهُ الإمبراطورية، والآخر المُغاير الذي تحدى تلك الإمبراطورية.

هنا يمكن التعليق على شخوص جمال في معظم أعماله، فهي شخوص متشظية، تتميز بإحساس أن لها وجوداً في غاية الهشاشة، بل أحياناً يبدوالنص نفسه، في نسيجه ومفرداته؛ متشظياً مثل شخوصه، ويبدو أنه لا مناص من أن رأب صدعه بذاكرة أوتوبيوغرافية/ رحلة صانع المطر، ورحلة الجن عند (يس). كثير ما أُشير إليها باحتوائها على أشباح وظلال عمر الخيام، حافظ، كافلكا وإيطالوكالفينو. وتضيع ملامح الزمن، فقد اتفق كثيرون أن الزمن اتخذ مساراً غير خطي non- linear))، بل ذهب البعض لتشبيه جمال بمارسيل بروست. وذلك في أنها ـ أي أزمنته ـ متداخلة ومرتبكة أحياناً، ودائرية أحياناً أخرى.

إن كل تلك الأعمال كانت تمثيلاً لما زعمنا أنه ذاكرة أوتوبيوغرافية، وظهور حالات التمرد عليها أحياناً في الأعمال الأخيرة، مثلما رأينا في العمل الأخير لجمال الذي صدر قبل بضعة اشهر ـ أواخر العام المنصرم ـ نجد ليس فقط تحول جمال إلى ذاكرة دلالية واكتمال مشروعه السردي؛ بل تحقق شرطه الإنساني Human condition، الأمر لم يعد مجرد سؤال الهوية والولاء والانتماء، بل إن الفن والجمال هو لغة كونية ـ الموسيقى وفن المعمار: (خط الأفق المنحسر) يعني العنوان ببساطة اقتراب كائن المحيط من المركز، بل أصبح هاجس المركز، مع ملاحظة إسقاطات الماضي القريب نسبياً على حاضر الدولة وسوسيولوجيا الدولة والعكس، مشهد عن المأساة والفجيعة الإنسانية.

وفن المعمار: (خط الأفق المنحسر) يعني العنوان ببساطة اقتراب كائن المحيط من المركز، بل أصبح هاجس المركز، مع ملاحظة إسقاطات الماضي القريب نسبياً على حاضر الدولة وسوسيولوجيا الدولة والعكس، مشهد عن المأساة والفجيعة الإنسانية.

العمل الأخير لجمال يقف شاهداً على ما زعمناه من أن جمالاً تحول أخيراً إلى ذاكرة دلالية، وتحرر من أسئلته القديمة، ودفع بها باتجاه ما هوكوني وإنساني، أو بلغة أخرى، اشتغلت العلامات في حركةٍ واسعة في النصوص الأولى على غير هدى أحياناً، وبمجانية في أحيانٍ أخرى، إلا أنها الآن صارت تعمل ـ أي تلك العلامات والرموز والشفرات ـ لتوليد المعنى، حتى نكاد نقول أن لغته في روايته الأخيرة سعت إلى أن تشكل صورة لوجود إنساني، كما عبر عن ذلك مارتن هايدقر، وتحتاج هذه الرواية لمزيد من الكشف، وذلك ببساطة لتجلي إشارات ما ذهبنا لتسميته ذاكرة دلالية.

Share