حول كتابه الأوَّل (جَنَاين الهَنْدَسَة) الشعر غريزة، وكتابة الشعر هي فن إدارتها

حوارات
 محمد الصادق الحاج لـ(الأحداث الثقافي)

لا تُخْفِي كائنات الكتاب معاناتها من الظهور عبر نظام الإشارات المجرَّب اجتماعياً وعلمياً

أسعى بكل غرائزي وجوارحي لإيجاد البيئة الصالحة لحماية اختلافي

أصدر محمد الصادق الحاج كتابه الأول (جناين الهندسة) قبل شهور من الآن، عن إصدارات مبادرة (برانا) الثقافية، عبارة عن نص واحد طويل، مقسَّم بأرقام على 195 صفحة، وتاريخ كتابة الكتاب يعود إلى عام 2000م. وكان محمد الصادق قد نشر العديد من أعماله عبر الدوريات والمجلات الثقافية والملاحق بالصحف السيارة، داخل وخارج السودان، كما ساهم بأوراق وشهادت أدبية في ورش ودوريات حول الكتابة آفاقها. وله ما يفوق السبعة مخطوطات تنتظر الطبع في مجالات الآداب المختلفة: من شعر ورواية وكتابات نثرية.

هذا الحوار يعتبر بدايةً لاجتراح شكلٍ جديد من الحوارات، لأن كتابة اليوم يعوزها تجديد أيضاً في مقاصد الحوار. ويعتبر الحديث الآتي محاولةً لسبر قضايا الكتابة الجديدة في محاولةٍ للكشف عن أسباب بروزها على هذا الشكل.

دار الحوار حول محورين فقط (قضيَّتين). القضية الأولى تعلَّقت بـ(العلم)، والمحاولة المبذولة في جناين الهندسة لإيجاد مفاهيم حديثة له، محاولة لخلقه من جديد داخل حقل الشعر، ومن ثم إيجاد علاقة بينه والشِّعر في متلازمةٍ تبدأ من عنوان الكتاب. أما القضية الثانية فتتعلَّق بـ(العدائية)، والتي ينطلق منها صوت المُتحدِّث داخل الكتاب تجاه العالم، رؤاه للحياة وقوانينها؛ حواره معها ومهاجمتها بصورة أقرب للتجريح. والأسئلة وتفاصيلها غير متضمنة في الحوار، وإنما الإجابات عليها فقط.

حوار: مأمون التلب

العِلْم.. العِلْم!. بدلاً عن أن أَشْرَعَ في سرد مخاوفي ومسوِّغات اضطرابي إزاء المفردة «عِلْم» المحمَّلة بما يَثْقُل أن ترزح تحته الإفادة عن إشارةٍ محتملة من جهة «جناين الهندسة» إلى صلة ممكنة بين «الشِّعْر والعِلْم»، يلزمني أن أُجانِبَ الدِّقَّة بالتغاضي عن تعداد الكثير من تلك المتعاكسات الاصطلاحية والدلالية التي تجعل من المفردة «علم» أحوج ما تكون إلى مختص في تدبير مسائل الاصطلاح والدلالة؛ وهو مَن لا أشك أنه قد قام بما عليه، الأمر الذي يُغنيني عن ذلك، فأكتفي منها بـ«ما خَفّ»، ناظراً إليه من موضع العناية الشخصية الذي يَلِينِي في مأزقي، وهكذا الخِفَّة؛ أعني خفة ما شهد عليه «كائن جناين الهندسة» الذي أنوب عنه هنا، وأَجْهَدُ أن لا أُفسِد شيئاً مما كان يريد «هناك»؛ في عالَم العام ٢٠٠٠ الميلادي، إذ كانَنِي كريماً فأورثني هذا الكتاب الذي أتنكَّب إدراكاً به، وهو يعرف أن لا أحد سيكون التعويضَ الكافي عنه، كما أعرف الآن أن أحداً لن يكون التعويضَ الكافي عني يوم أغدو «كائن تناول المفعول»، مثلاً، بالنسبة لـ«محمَّدٍ» ما؛ ينوب عني، لا أعرفه، ولا ما سيغدو عليه كتابي بين يدي تخميناته التي أُقَارِبُ مثلها الآن؛ معتمداً على عاطفتي حيال الكتاب وعلى لعبة التصديق المظلمة التي تجعلني متأكداً هكذا، فوق شكِّي كله، من أن هذا الذي يُكْرِبُني من الغَيْـرِيَّة بين الـ«محمَّد»؛ سلالتي التي ألد منها واحداً على مدار أصغر وحدة من الزمان، ودائماً ما أكون أقلَّهم معرفةً بي، إنما فروقاتٌ مقداريةٌ في نطاق النوع نفسه عائدةٌ إلى تسلسُل طبقات الكساء المجبولة من اللحم والزمن والمجاز والظلام؛ المتراكمة حول هيكلٍ سيبقى هو هو مهما تكاثر عليه من «محمَّدٍ» لا يختلفون أحدهم عن الآخر إلا بقياس سُمْك الطبقات الكَمِّية التي تعمل بينهم عمل دروع الطاقة وتتخذ من الاحتياطات الدفاعية ما يجعل من أي توارث إرادي بين محمدَين؛ أو وراثة قسرية، أشبهَ بعملية المغنطة، في هذا يطول التفصيل، فهذا بعيد عن هذا، فأبعد عن الذي قبله، فأبعد، فأبعد، فينوب عنه، فيكافحه، فـ…، ثم تنقلب الدورةُ المجنونةُ الكلبِ؛ الكلب الذي موبياس في مطبخ ذيله يغتذي عليه، والذي ـ برواية صديقنا المرِح «ماو» ـ اسمه أيضاً «كَاتْيُو بَالابَاس»؛ قال «ماو»، بتصرف طفيف مني: (كَاتْيُو بَالابَاس كائن أسطوري في غاية الجمال من شدة افتتانه بجماله ينكبُّ عليه؛ منزِّهاً نفسه عن أن تأكل من غيره، يعيش يلتهم جسده حتى لا يبقى منه شيء غير الأكل ممتازاً بأكْليَّتِه في تجريدها عن أكْليَّة التغذية)، وهو أيضاً محبوبة «ديك الجن الحمصي» التي، لو كان الناس يُجَنُّونَ من الجمال،جُنَّت هي بالذات من جمالها. أعني أني أنسى فضائل تعدديتي الذاتية وأنسى مكتسباتي

كبَشَرِيّ مُعَرَّض لآخرين يبنون مطابخهم في أذيال غيرهم، فهل هذا من الشُّحِّ في شيء لكي أتوسم في تلك اليد المزيد لتغذيتي؟، أعني؛ في عَدَمِ الشُهُود؛ يكون نسيانُ المرءِ فضائلَهُ أعْذَبَ نصرٍ يناله، وبخاصَّةٍ حين يبدأ هذا النصر بتناول وجبته أثناء ساعات عملها، بادئاً بعينيها من الداخل، ومع ذلك، ومراراً، ما إن أفرغ من تحليلي لي إلى بسائطي وتزويدها بالحدود، ثم تهيئة المسرح الوحشي الصاخب لسكّاني، وبعد أن أُتْرِفُهم بالأسلحة التي كَوَّنْتُها لهم من خلال عمليات الأيض الذاتي التي خضتها خلال المراحل التي سبقت حَمْلي بالمسرح الدوري الذي هو محض كلب مجنون؛ وما إن أتركهم أعداء يقتتلون، على الساحل الفضائي المُدْغِل المصطحر البَيْأَر الحقل الـ: غريزتي، يتعلمونني، يتعلمون الأرض، ويجمعون من أجلي التذكارات؛ أولاد الكَشَّافة، حتى أجدني عائداً إليهم بعد لحظة من باب آخر؛ غريباً كالرسل، من أقصى المدينة أسعى، جزعاً من هذا الخراب المريب أجهل كيف حدث، فأبدأ في محاولات توفيقية من هذه الشاكلة التي أقوم بها الآن بالذات، التي كما ترى؛ مأمون، ها هو، في إثرها، يتخلَّى «محمد» منهم عن أسلحته ليتبعه آخر في سلسلة «التهوين الشعري للخطأ» التي أشار إليها رينيه جيرار، والتي أدَّت، في تصوره، إلى التعمية التاريخية على مبدأ المحاكاة، وأحاطت آلية كبش الفداء السارية في جذور العمليات الاجتماعية للشعوب كافة، على طول الوجود التأريخي واللاتأريخي للبشر، بنوع من التهوين والتغاضي عن مجانية الاضطهاد والألم والعنف الجماعي، والتي أكلت، في طريقها الرسالية القاصدة، ما لا يحصى من السُّلالات الجانبية، بتعبير أمير شمعون، وهو ما يحدث الآن، هنا، إذ تتألف كتيبة من «محمد» مكوِّنةً «أنا» زمنيةً واحدةً تعلِّق «كائن جناين الهندسة» على شنكل المحايثة، وتأكل لحمه الذي غاية ابتعاده عنها أن يقيم في ذيلها، هكذا، إلى أن يعود الجميع، بما فيهم صاحب الجناين، في حركة مزدوجة تقدحها في اللحظة نفسها قوة العاطفة، (أرْضَاً سلاح)؛ مركَّباً منعقداً حول «أنا» قادرة على إدارة الحب على ذيله ليبدأ من جديد يتآكل، فهذا قريب من هذا، وأقرب منه الذي يليه، فأقرب، فأقرب، فينطبق عليه، فيواحده، فـ…، ولا أقاوم ضحكة الشك العصبية أنْ يا لها من مزحة مفزعة.

أرى الشِّعْر والعِلْم يعملان بذات الغَيْـرِيَّة المتضايفة التي تنتهجها سلالة الـ«محمد»، فهو إذاً حلف تكافلي بين وحدتين طيفيتين؛ قل أختين، مدرجتين في السطح البيني نفسه؛ صندوق التلاقيات الكونية، مسرح الغرائز، أو مسطَّح المحايثة، بمفهوم جيل دولوز، الذي تتكون منه طبقات لوح الممكنات؛ حلف قائم منذ فجر المحاولات في مواجهة الأبجدية البشرية النازعة إلى التعزِّي ـ لدى كل إخفاق وكل إرادة تثبيت ـ بكوابح الطبيعة الدنيا والارتضاء بحدود المقدرة النسبية للحدوث الأدنى والبقاء الأدنى والوجود الأدنى. على أنْ ليست الحياة البشرية على هذه الأرض بدُنيا ولا هي بعُليا. هي الحياة؛ مقاطف الدم والطاقة قامت على أكتاف «التُّرَّهَات المُغَنِّيَة الراقصة» كما يقول تايلر دردون. وإذا استغاث الشِّعْر بالعِلْم عند بادية الحيرة ومنذها؛ وصولاً إلى اللاوصول الذي يتسع عمله ما اتسع الخيال، فالعِلْم بالمثل ذاهب إلى الشِّعْر من كل طريق نظراً وتنقيباً في ممكنات الكون والأرض والبشر؛ تحالف يقف بادئ ذي بدء ضد الاعتذار الخائب الذي يجعل من «واقع الحال» حجَّةً ضد التهَّور وجسارة الإحداث، ويأخذ الحياةَ بعيداً عن ورقة الرسم البياني بمدرجاتها التكرارية وإحصائياتها التبسيطية إلى طلاقة السديم الكونية. سَعْيٌ يخون فيه العِلْمُ أبجديات الواقع التي تستبطئه ريثما تتدارك أمرها وتلحق به على متن مسرِّعات الخيال التي وقودها الملاحظات. على ذات النهج يخون الشِّعْرُ تخومه المظلمة الوحشية من أجل مقاربةِ الإمكان البشري لدى ما يلي أفق الحدث؛ بوابته النجمية المروعة، مقترباً بذلك من التناول، مستأنساً حيوانيته الضارية بإيجابية الكتابة. بلى، «الشِّعْر» غير «كتابة الشِّعْر». كتابة الشِّعْر هي الشِّعْر معلوماً؛ مستملَكاً، مستوفىً على أرفف المعمل الوجودي، هي أساس التزام الشِّعْر نهجاً يضعه إلى جانب العِلْم فوق أرضية مشتركة. الشِّعْر غريزة، كتابة الشِّعْر هي فن إدارة هذه الغريزة، شاكلة من عِلْمٍ إذاً؛ وضع الإمكانات الوجودية كلها تحت طائلة المختبر، وهو من أكرم إنجازات الشِّعْر من أجل حرية البحث والمعرفة والفائدة البشرية، لا شيء يسمو على الاختبار، هي الطريقة التي استهلها الشِّعْر كتأسيس للعِلْم، طريقة في ملامسة الواقع تبدو كأنْ لا بد منها ولا بديل لها لكي يحافظ الشِّعْر على نوعيته ككشَّاف مجاهيل، وبذات الضربة يُرْضِي مَن يرون فيه ضمير الأمة الناطق باسمها في محفل الخلود، ورغماً عن أن وظيفةً كهذه تعمل في الشِّعْر خصماً على غريزِيَّته الـمَنُوع، إلا أنه يؤديها كتنازل أقصى من جانبه لمصلحة الدقة؛ تنازل يجر الشِّعْر إلى حد مرونته القاطع الذي إن تخطاه، وهو ما حدث كثيراً، ارْتَهَنَ أثَرَهُ بظَرْفِهِ ولحظتِهِ التاريخية لا الغريزية،  وكان في ذلك ما أشبهه بمنديل الورق يُستخدم لمرة واحدة ويُرْمَى، حتى إذا انتقل الوجود إلى اليوم التالي بَقِيَ النَّصُّ الشِّعْرِيّ حبيسَ يومه إلى جانب الأدوات التالفة وقطع الغيار المستخدمة لِمَرَّتِها؛ الوضعية التي لا تخلو بالطبع من سحر ولذة وجاذبية عارمة طالما أسكرتني وجحدتُ بها في حُمَيَّا انشغالي بالتدقيق في مكونات اللحظة التي تليها بحثاً فيها عن مآخذ خالية تتيح لي أن أمتص. كنتُ يلوح لي أحياناً أن الشِّعْر في حالَتِهِ الغَرِيزَةِ الصِّرْف هو الوحدة الميتافيزيائية التي بفعلها يتزن كل ما هو فيزيائي، ليس بما يناقض القياسية العِلْمية، وإن كان خليقاً به أن يكون، بل في مِثْل علمية النتيجة، كنت أميل إلى الظن بأن الشِّعْر هو حاصل أي عملية، مطلقاً، قبل أن أضطرب في منازعات سُكَّاني: «ولكن ماذا؛ وكل وجودٍ، هو فيزيائيٌّ، مهما أوغَل في الميتافيزيائية؟، وهو مستملَك مختبرياً عاجلاً أم آجلاً؟»، «فما الذي ليس فيزيائياً إذاً، إن لم يكن هو الوحدة المفردة الغامضة التي تتنازع على حيازتها والامتياز بها كل الوحدات الفيزيائية؟؛ الوحدة التي لا تقبل التنزُّل في شباك الحيِّز؛ هذه الوحدة النهائية الكاملة، القيمة الناجزة لكل العمليات الجارية والقاعدة»، «وهل يمكن العثور على ما يتصف بهذا اعتماداً إلى نسبة الوجود إليه إلا اتفاقاً؟، على نحو ما اتفق البشريون على سلامة العملية الحسابية (1+1=2) ونصَّبوها أبجديةً قياسيةً لا يأتيها الباطل من أي جهة، وهي العديمةُ الجهة؛ التي لم تحدث أبداً في واقعية ما تشدو بمجده الوتيرةُ البشرية». يعيدني هذا الإحراج إلى تساؤل صديقي محمد عوض الكريم قبل عدة أشهر، وقد كنا جالسَيْن إلى سِتّ الشاي نشرب ونحاول إسماع بعضنا ما نقول وسط هدير عربات النقل العام بالسوق الشعبي بأمدرمان، قال: «ألن يطوِّر البشريون وسيلة تالية للانتقال في المكان أفضل من هذه المتخلفة التي». تذكَّرنا بعدها وسيلة الانتقال الآني المقترحة في أفلام الخيال العِلْمي؛ أن يوضع الجسم المراد نقله داخل آلةٍ تفكِّك جزيئاته ثم تقوم آلة مماثلة باستقبال الجزيئات في المكان المقصود وتعيد تجميعها في مقدار زمني يقاس بالثواني على أسوأ افتراض. تطَرَّق حديثنا إلى الطاقة الواحدة التي تملأ هذا الكون، والفرضية النظرية التي تقول أن الكون عبارة عن وحدة مادية واحدة مائعة متصلة ببعضها كنظام الزخرفة. قلت كيف؛ وهذا محمد وهذه منضدة وهذه شجرة وهذا كوب وهذه…؟، ما هو قانون انفصال هذه الوحدات عينياً إذاً؟، وكيف تبقى مع ذلك جزءاً من الطاقة الكلية متصلة بها؟. قلت ربما قَمَرٌ يَحْمِلُ القانون. لكل جسدٍ قمرٌ يدور حوله ويجعله يظهر وينفصل. ربما هنالك وحدات كامنة داخل المادة لا تظهر لأن لا قمر لها يحمل قانون انفصالها العيني عن الطاقة المائعة. في عناية هذا الكابوس الذي طالما عانيت منه؛ رأيت اليوم رأياً باغتني بقدر ما كنتُ أُجدر بالمباغتة أن تعمل، وما ظننتها إلا خاذلتي بحكم العادة، إذ لا تستحمل الكلمات عبء أن تنوء بحمل اللكمات التي درجت على شحنها بها ودائماً ما وَهَت في يدي وتدلَّت كذَكَرٍ مَلُول. هذا حديث الذي يكتب الآن. دارت المباغتة اليوم في فرحة قلبي وسَوَّت جذوري بما يليها كفعل الشمس بالعمليات البيئية. بذات اللفتة المجازية الهازئة التي تقصر عمل الشمس في الوجدان على طرافة الإشراق؛ تنبهتُ إلى المفارقة، ولم أجد من ذلك بهجة الإدراك التي كان مفترضاً، من بداهةٍ فيها، أن تمدني بشعور الرضا عن التحصيل الإشراقي الفذ الذي نلته. لم يكن الطابع الكشفي لما رأيته اليوم ذا بال بالنسبة لي، بل هي قوة التجذير الهائلة التي أَخْصَبَت رَوْعِي بالترابطات العضوية المهتاجة في أساس الوجود بين الصغائر العارضة، والتي تؤدي ـ الترابطات ـ آلياً إلى نيل غاية النشوة دون الاضطرار إلى مباشرة أي نوع من جهد تبادلي يطلبها، هذه القوة التي أرشدتني إلى صلاحية عدم الممارسة أقامتني أذناباً كالعكاكيز ووضعتي عرضة لطائلة التحديق الثابت في الوجود مجسَّماً؛ فرديةً كادحةً إلى جانب الفرديات المجاورة، جسداً عينياً يُرى وتحصره الحواس، لا تقع وراء «علامة التساوي» إلا نظرياً وبالتراضي على رفع قيمتها الاعتبارية إلى تلك المنزلة الفخرية، وهي في الحقيقة حَدٌّ وَسْطَ الحدود لا تميزها عنها إلا إملاءات الواقع الإدراكي المشترك، فأجفلتُ كأنْ لم أجرِّب الريبة يوماً؛ كأنْ لم يلد التخمينُ أحداً من قبل. التفتُّ إلى واقع أن قدرتي على وصف الحالات الوجودية وتصوير الأوضاع الداخلية لأي حدث لم تأتِ أبداً مقترنة بأي نوع؛ ولا أقَلّه، من القدرة على التوصل إلى استنتاجات مبدئية توحي بالرسوخ النظري أو السردي يمكن من خلالها إدراك حكمة نهائية لهذه الفصاحة في وصف الحدود المفردة والأجزاء الصغيرة؛ الأعراض. لا تملك آلية التفكير عندي ذلك الشيء العجائبي المعجز الموضوع في عداد الحقائق العِلْمية، الذي لا أتمناه، والذي يمكن أن يعمل بمثابة «علامة التساوي» ناظماً جامعاً الصغائرَ في وحدة جوهرية تصلح كغاية معتبرة تمنح العمليات الجزئية التي سبقته مسوِّغاً كريماً لجريانها، وتمنحه هو الفخامةَ المنطقية الشنيعة للتماسك العضوي الذي دَأَبْنَا كقارِئَةٍ أُحْسِنَ تأديبهم على استجدائه من النصوص بقصد تطبيقها على هيكل النموذج

 الاعتباري للأمثولة الرمزية (عدد «+» «-» «*» «÷»… عدد «=» عدد)، وهي التبسيط الأقصى لمُرَكَّبات وجودية لا تُحصَى زاخرةٍ بالتعقيدات والإغماءات والتَعْمِيَات أمْكَنَ استدراجُها تربوياً من جذورها إلى صيدلية المعنى. أي تعطيل يمكن أن يسببه استقصاء ما وراء «علامة التساوي الشخصية» لمن تنشأ عمليات التفكير لديه في مَهَبِّ هذه الشاكلة المفزعة من شظف المعنى؟، ماذا يفعل بها وأين يضعها من لامَقْصِدِيَّتِه؟. وإن بدا بمنطق روحاني أن ثمة أدلة عقلية وتأويلية واستقرائية على وجود وحدة جامعة ميتافيزيائية ـ قياساً بالمعايير السريرية لمختبرات الأرض وعقولها ـ تقع خلف نوع وجودي من «علامة التساوي»، فهل هذا يكفي للاكتراث بالزعم البشري الذي يتمادى فينسب إلى هذه الوحدة نوعاً التحكم الارتدادي بحدود العملية التي جعلت من مجرَّد تخيُّلها أمراً ممكناً؟. فكيف اتفق لي إذاً أن أعالج مسألة وجودي بالكتابة، وهي عِلْم، بينما تقوم كل حركتي الداخلية على الحد من سريان العمليات العِلْمية في وجداني؟. ولكن؛ تحرِّياً للدقة، لم يكن الأمر «هناك» بهذه السلاسة، من هذا الذي يكتب الآن؟، كان كل سُكَّاني؛ أبنائي يضرسون من حصرم الهندسة التكويني الذي أكلتُه في معراجي إلى الواقع؛ أكلتُه ناظراً في إمكانية فرحي بأفاعيل البشر، مضطرباً إزاء التنادي الجماعي إلى فَرْدَسَة الدُّنيا، متألماً من المفارقة اللفظية للوهلة الأولى، ثم غاضباً من المحشر المعاصر الذي يتمثَّل محشرَ القيامة فيقرن تلقائياً بين الحق والأداء، عارفاً أن الحشر إنما يكون في الموئل، والنزوع إليه إنما يكون من قبيل زراعة الأمل في الماضي، الذي هو الحاضر؛ نظراً إلى أنَّ كل ما يُزرع بغاية أن يزهر في المستقبل إنما هو مزروع في الماضي، القيامة التي تمثل نموذج المحاكاة لا تقوم إذاً إلا في المطرح؛ في البداية التي، إن لم تكن هي أول الزمن، فهي ما قبل أول الزمن؛ وليست ما قبله، هي خارجه، خارج الزمن، وإلا، إن كانت ما قبل الزمن، على إطلاقه، لكانت ما قبل كل لحظة منفردة في الزمن، قيامةً قائمةً ما قبل كل لحظة على حدة، أيْ قيمة خارج القوسين مضروبة في كل الحدود المحشورة بين القوسين، ولكانت القيامة إذاً، إن جاز تمثُّلها العصري، ساريةً أصلاً في الوجود، أو لكان الوجود محشوراً أصلاً في القيامة نفسها لا في قوسي الزمن، لكان الوجود هو القيامة، فلا يبقى (ما قبل) ولا (ما بعد)، فتكون جَنَّة الهندسة المعاصرة قيمة اجتماعية متسرِّعة مكتفية غير كافية متقاصرة عن نموذجها الاعتباري الذي لن تناله بالطبع لأنه مثال رامز ليس إلا؛ متخلية عن المكافحة الجذرية لـ(صورة القيامة) التي، بدلاً من تفنيدها، يتم تزويرها هندسياً في ما يشبه الهيكل الرقمي المحاكي لعملية يتعذر حدوثها في الواقع، وهو تخارج من الإحراج لا يغني عن الإحراج مضاعفاً؛ ذرائعية مضادَّة لذرائعية (لا زمنية القيامة). تحت تأثير نفور كهذا، لم يعد الفارق كبيراً بين العِلْم والشِّعْرِ كتابةً، فكلاهما؛ كتفاً لكتف، صنعا هذا المحشر المرعب المندفع في الخيال والواقع بقوة ألف حصان، وهو في الواقع واقف قيد أبعاد دفعه الرباعية منتظماً في ملكوت ورقة الرسم البياني بمستوياتها الأربعة ذات الصرير المكتبي المرعب، وهو في الخيال سحرٌ تولِّده فرص التباديل التي لا تُحصَى لِمَوْضَعَةِ القيمة الافتراضية لأي شيء وتسميته «نقطة بيانية» بمثابة انتصار للدقة وللتخمين بذات المقدار. وعَوْدة إلى اشتباهك؛ مأمون، في دلالات «الهندسة» داخل الكتاب بأنها تقدم صورة جديدة لعلاقة الشِّعْر بالعِلْم، أرى أن كتاب جناين الهندسة شهد صورة محضاً لهذه العلاقة، من جهة، وأنه أقَرَّ بهذه الصورة وما أقرّ في استجابة واحدة، ولا أرى أنه قدم شيئاً غير شهادته، من هذه الجهة؛ فالصورة هي هي، قبل وأثناء وبعد جناين الهندسة الذي لا يسعني أن أزعم أنه صنع أية صورة جديدة لهذه العلاقة، لأن إقراره المتمثل في كونه شِعْراً مكتوباً يضعه موضع ضعف وإحراج أمام واقع عدم إقراره الذي نطقت به أسطر الكتاب؛ الأمر الذي لا يشفع له عند زعم كهذا. من جهة ثانية لا تُخْفِي كائنات الكتاب معاناتها من اضطرارها إلى الظهور مستخدمة نظام الإشارات المجرَّب والسائد والمتفق عليه اجتماعياً وعلمياً. تصرخ بهويتها الجذرية كصور منتزعة من عالم «الشِّعْر غريزةً» إلى عالم «الشِّعْر فناً» على متن الكتابة، وفي هذا نلوم العِرْق الاستعمالي للكتابة كأداة خطاب تواصليٍّ تستمد إمكانها وقيمتها من نجاحها في أن تكون خطاطة هندسية خاضعة لنوع من الإدارة القصدية للخيال، سياسة أعماق؛ عملية تعود بها محدودية قدرتها التعبيرية إلى المجاز ووظيفته التأمينية، وبالتالي قابليتها للتأويل والاستخدامات الرمزية والتناول الـحَمْلِيّ إلى أصلها كصناعة، كما تعود بها قواعدها وأساليبها رأساً إلى «العِلْم»؛ الدافع الذي حدا بكل خطاب متعالٍ أن ينبسط على العالم كتابةً. وفي هذه العملية تمتُّ «الكتابة» إلى «الهندسة» بصلات لا حصر لها، فكأنهما توأم البنية الذي أخذت تهذي به أنثى العنكبوت «هناك» في كآبتها المخطَّطة. لعل الناطق في «جناين الهندسة» كان صوت كائنـات عاملة في حقلٍ من الواقعية الإدراكية القاعدة؛ مستنتجةً في وجودها نوعاً

 مأساوياً من «الحياة الدنيا»، متباهيةً تحت سَيْطَعِ الذات الـمُغْشِي بتاجٍ من آلامها القياسية الممتازة، متوافقة إلى حد ما، من تحت قناعها الملتهب، مع النداء المطلبي العام الذي صدحت به كل الفرديات الباكية في ليل الوعي المشمئز، وهي حالة لم يخطئها «بوذا» بنفاذية تربوية لطيفة، فأبصر فيها استمساكاً سلبياً بالحياة لا يكاد يُجَانِبُ في كثيرٍ حالةَ صاحب العاهة يسعى بيده المقطوعة يستجدي إشفاق الشهود ولا يفعل شيئاً حيال ما يظنه عجزاً فيه؛ تعبيرٌ لم تخلُ منه كثير من صور الكتاب بُنِيَت هناك من مادة ذلك النوع، يذكِّرني مقولة لصديقي محمد الربيع محمد صالح: «ليست الحياة اختصاص القاعدين»، كما يجدر بي أن أذكر إشارة تخاطرية لطيفة أدركني بها صديقي محمد أحمد شبشة أثناء تفكيري في هذا الأمر: «وحيرة بوذا، كيف يستقيم لهوها بالكون من موقع القِدَم؟»؛ إشارة عارفة تراود كل الفنانين بوتائر تتفاوت؛ ما تنطوي عليه محاولات الطامحين إلى تطبيقات علمية ممكنة لمسائل الميتافيزياء من (ذرائعيَّة مُضَادَّة) أشرت إليها قبل وهلة، وهذا جانب آخر منها يضاد الأول المتخارج من إحراج لا زمنية القيامة بنزوعه إلى إقامتها في الحاضر بعون الهندسة، أي أن ذرائعية مضادة للذرائعية المضادة، تنبح في تعاليم (بوذا) و(لاوتزو) وكثير من المشرِّعين والفنَّانين بعدم جدوى محاولات العلوم المادية للقبض على لحظة الغيب مختبرياً، ناصحةً البشريين بالتخشُّب والتحديق الثابت والاستغراق ذاتياً؛ بلا أدوات، بلا عمل، بلا منازعاتٍ مع النفس أو مع الغير، في ما يحقق الإشباع الذاتي؛ الالتذاذ، متجاهلةً واقع أن الأدوات العملية كانت هي القناة الفذة التي حملت كل الرسائل الرؤيوية، وأمكن من خلالها بثّ الدعوة في ما يشبه نوعاً من المقاومة وممارسة الثورة لمكافحة الذرائعية السائدة، فهل من إيجابية عملية تعدل ما يدعو إليه هؤلاء الذرائعيون المتنكرون في أقنعة السلبية؟. كانت الرؤيا الهندسية «هناك» مشْبِعةً إلى حد السُّكْر، فاقتربنا كثيراً من خطفة غالية ملتاثة ضاعت فيها حدود اليوم حتى لكادت؛ ملاءةً تترهل عند أطراف السرير، وغدت مكونات الغرفة مقسومة بين الواقع والخيال؛ فالباب ليس حقيقياً بقدر السرير، والدولاب يبدو كصورة شمسية سالبة، والأشياء تنمو بسرعة فائقة داخل الكوب ساخرةً من سلامة العقل وكفاءة العقائد العِلْمية، وهذا الحدث أو ذاك ليس حدثاً موضوعياً بل هو دفق ذاتي ينبسط مني كسجادة على الوجود بوسعي أن أعيد ابتلاعها في أية لحظة. ولم يبق للعِلْم الذي يزهو به البشريون غير طفائف الإشارات تسيء إليه أكثر مما تردُّه إلى وجود حقيقي فاعل، ولم تعد في العقل أرض لأي نوع من الإعدادات المسبقة التي ظلت ترعاه وتُخضعه لتدريبات افتراضية في سبل مأمونة العواقب ضد أعداء يحمونه في السيناريو ولا يرتضون منه بغير أن ينال منهم، صار العقل «هناك» في كل واقعة كأنه وُجِد الآن، يعمل منحلاً من الضمانات التجريبية كافةً التي يتيحها تراكم الخبرات والمعلومات والملاحظات لمستخدمي النظام. وانحلت أيضاً الرباطات اللاحمة لكل من «الكتابة» و«الهندسة» إلى بسائط أولية، وما عاد من عاصم غير البقاء الجِّيني للحيوان ثابتاً في هاوية العين. حالة صوفية؟، فصامية؟، توحُّدية؟. لا يسعني أن أقول بشيء من ذلك على التعيين، كما لا يسعني الإنكار، على أن الكلمات كانت أوفى بالحاجة من أن تضطرني إلى الاستعاذة بسجلاتها في أحشائي، ربما أخيراً هذا صاحب الجناين يكتب، كان على المفردة «عِلْم» أن تعمل وحدها دون معونة من ذاكرتي، أن تدور كالطاحونة داخل النص بقدرة ذاتية لتُذَكِّرَ الشِّعْر الذي ينكرها بالعهد المعطل نظرياً؛ الساري فعلياً تحت حجب العنف والمنازعات الداخلية، وكان على الشِّعْر أن يسعفها، وإلا كان أعجز عن أن يسعف ما دونها من حلفائه.

سؤال العدائية

لم تكن تلك (عدائيةً) إلا بقدر ما كان (بروكَستوس) صاحب السرير الشهير، و(أبوالهول) صاحب السؤال الأشهَر؛ عدائيين من وراء خلودهما المجازي الخالي من الأخطاء، والذي برهن به الميراث البشري في كثير من الحالات على أن العنف الشعائري لم يكن يوماً إلا أحد أعظم أسلحة الذاكرة لترسيخ بقائها وهدفيتها في رحلة التعلم والتراكم. غير بعيد عن هذا؛ بل تحت حمايته، شهدتُني «هناك» شِفَافَةً جِلْديَّةً هائمةً في ملكوتٍ من عدم الشريك؛ أعني، من المادة الحية التي هي «عدم الشريك»، نَسَبْتُني إلى نفسي وخَصَصْتُني بي، بعدها، صار الكونُ اختصاصَاً شخصياً، أُلام عنه على أية حال. لم أكن «هناك» بدافع الإخلاص لشيء سوى المأزق الشخصي؛ مأزق تعرَّف فيه أرنستو ساباتو على «نوعية كائن»؛ وذلك من جهته لم يأت إلا توكيداً على فرضية عِلْم الإناسة التي ترى أن الفروق بين البشريين، إن تحرَّينا الدقة، هي أشدّ جذريةً وتناكراً من أن تسمح بوجود شيء فعليٍّ جامع اسمه «البَشَر»؛ دلالةً على هذه النوعيات، وأنها في الواقع فروق بين أعراق قديمة

 نشأت في سديم الفجر وفقاً لإملاءات ظرفية بلا غايات جوهرية ولا رابط بينها غير الضرورة التكافلية التي نجمت عن تناسل بعض الأنواع؛ استجابة لتعقد احتياجاتها، فكان توحيد الظواهر اضطراراً يتضمن اتفاقياتٍ ألْزَمَت الأطرافَ ذات المقاومات التي لم تلائم وصلاتُها مآخذَ الطاقة المتاحة، أو لعلها هي تلك الأطراف التي وُجدت أصلاً على أساس تشغيلِيٍّ مختلف يستلزم نوعاً آخر من الطاقة؛ ألزمتها تالياً بالخضوع لسلسلة من عمليات الانتخاب الذهني، محرِّمةً عليها رَفَاهَ أن تستخدم إمكاناتها التكوينية التي لم تكن مستقرة بعد؛ سواءٌ أفيها أو في الأشداء من تلك الفصائل البادئة، من أجل تدبير مطالب «نوعيتها كائناً» بانفصال عن حُمَّى التوحيد التي ضربت النوعيات الأخرى، فكان عليها بموجب تلك العمليات أن تعمل خادمة بين يدي «البشري»؛ البانوراما الأعراقية المحدَثة، وأن تبقى لغاية اليوم مشكوكاً في انتسابها إلى فئة البشر؛ متَّهَمةً في خلوص أعمالها لوجه المصلحة العليا؛ تقدُّم البشر. وهي لا تكون «نوعية كائن» عن حق إلا بقلب استجابتها لعمل الجوع الذي يحملها عادةً على موافاة المطلبية الهدفية العامة القاضية بسداد غرامات هذه المشاركة الوبيلة «كاش» لحظة بلحظة، بمالٍ يُشترط أن يكون من مادة «الحقيقة» المتفق على أبجديتها إجماعاً، وإن تفاوتت فئاتها؛ موقَّع عليه بقلم الصواب الجامع. «أنا بشري.. نحن بشريون.. نحن البشر…». جوع إلى شهادة الشاهد الغير؛ جوع إلى اعترافه بتلك الأطراف ـ النازعة أساساً إلى حقل غير متوافر من الطاقة ـ باعتبارها نوعاً أو أنواعاً مساوية للبشر في الحقوق والواجبات. إن الفنان بهذه الصفة؛ تِـنِّين الكُومِيكْس الذي يريد أن يصبح إطفائياً، يمثل أقرب الصور جنينيةً إلى أصل العشق في الوجود، ومهما بدا عدائياً ورافضاً ومتهتكاً ومخفقاً في كبت نيرانه، وبسبب عنفه الشعائري هذا بالذات، وبسبب من ميله إلى تبريد إشعاعه السلبي بالعمل الفني، الذي هو، قياساً بما يستطير فيه من «هناكـ»ـه، أقرب شبهاً بالماء الذي يود التنين لو كان قادراً على توليده لإطفاء النيران، يظل البرهان الأوفى، على أن ثمة شيئاً يستحق الاستمرار في الحياة والمضي في استدراج الممكنات إلى شبكة البشري، وسواءٌ أكان الفنان فرداً حقاً في عداد البشر، أو كان فرداً من نوع آخر؛ سواءٌ أعُودِيَ في غرابة نكهته ووحشيتها وغرائزيتها أو استُوعِب في التيار، فهو يبقى أشد الكائنات إيجابيةً وفائدة للوجود بحكم عملية التنشيط الصميمية الدائمة التي يجريها «هناك» أثناء قيامه بعمله في الحقول السوداء المدرجة في الموقع الأقدم من الكون؛ موقع «الحيلولة دون» المجبول من المادة ذاتها التي يسميها السهروردي «مادة هورقليا».

وإذ أقول «هناك» فإني، بالمثل، أعني نوعيةً من «هناك»؛ لا أي هناك، لا هناك على إطلاقها، شيئاً يشبه (أفق الحدث) الذي تصفه الفيزياء النظرية، البقاء الأخرس الواقف، عند تخوم المادة الفيزيائية المعروفة، باباً من تيار جاذبي شره مصمت على تهاويله يمتص حقول الفضاء والأشياء والزمن، لا ليتغذى عليها بل ليجمدها عند حدوده. «هناك» التي كنت فيها محمداً آخر يكتب جناين الهندسة؛ هناك التي وُلِدَت معي؛ قمراً لجسدي يدور حوله ولكن أين أرض الروح؟، لست على ثقة من أن قمري يدور حول جسدي؛ لأنه يبدو أشد فاعلية على حياتي من مجموع الوحدات الميتافيزيائية المعقولة غيباً من شاكلة النفس الروح والعقل الوجدان الـ… والتي يُنسب إليها هذا النوع من التأثيرات الصميمية، «هناك» التي نتآكَلُ أنا وهي تَآكُلَ العين والصورة، «هناك» التي كان فيها الكثيرون قائمين على هذه الخدمة يرتجون هِبَة الغير يتظاهرون بأنهم من «هنا»، مستبطنين؛ معلنين أحياناً، حزمةً من الميزات الجينية؛ ميراثهم الأعمى، يخوضون به منادين في ظلام واقعهم الإدراكي الأخرس؛ نعم، «الأخرس» رغم كل فصاحتهم وصراخهم الذي ـ من مفارقةٍ! ـ يؤدي وظيفة ضابط الإيقاع في موسيقى الحجرة البشرية. ولا يصح للفنان أن يُعتبر عن حق «نوعية كائن» إلا حين لا يعود جائعاً للغير بأي شكل، حين لا يعود يتوسم في نفسه تَفَوُّقاً أو وَضَاعَةً، حين يعود لا إيجابياً ولا سلبياً ولا موفِّقاً بينهما، حين لا يعود جزعاً؛ لا من كونه بشرياً تنعدم الفروقات بينه وغيره من البشريين، ولا من كونه نوعاً آخر مدفوعاً باختلافه الجذري إلى ممالأة الـمُسَاكِنِين الأشداء ليُنْعِموا عليه على أقل تقدير بالتجاهل التام لاختلافه؛ أعني حين يعمل جوعه عمل الغذاء ويسمح لمقاومته؛ قلقه وحاجته إلى الاستهلاك والأداء، بأن تشتغل وفقاً لغريزتها الذاتية دون الاضطرار إلى القيام بأعمال السُّخْرَة المُزْرِيَة في حقول الاحداثيات البيانية المتصالبة، التي تشكِّل «الكتابةُ» واحداً من أصلب أعمدتها. كان هذا مأزقي، ولا زال. يَسْهُل عليّ أن أعِيَ وجودي كمختلف، وأن أسعى بكل غرائزي وجوارحي لإيجاد البيئة الصالحة لحماية اختلافي؛ مستعيناً في ذلك  بكل المؤثرات الخارجية اللازمة للنفوذ باختلافي إلى أبعد جذر في التشريع الوجودي لتعديله ووضع توقيعي عليه، ولكن أي اختلاف وفي سَعْيٍ كهذا هذا يستوى البشريون جماعات وأفراداً، وإن بدا للوهلة الأولى أنه من اختصاص الفنان لا شريك له. أسْهَل من ذلك أن أستجير ببشريتي، ولكن ليحدث ذلك لا بد لبقائي من كهرباء الـمُشَرِّع نفسها التي تَصْعَقُني وتجعلني أتخبَّط شائطاً في حواف المعدن المرعب لـ«الحقيقة» الشخصية التي تنـزع ما بقيت إلى أن تعم وتسود؛ كذلك لا أستغني عن تحميلات مرفقة بهذه الاستجارة توصلني بسرعة فائقة إلى أن كل بشري هو في الواقع فريد ومختلف وأن كل بشري يحمل من الكنوز ما إنْ قَضَى عمره كله يتفتَّحُ في كنف الإيجابية العملية تحت شمس المشاركة بالإفادات والاعترافات ونوازع السلام الداخلي والرفعة الشخصية المضمرة لَمَا أَنْفَقَ على الكون رُبْع ما يحمل، وبالتوافق مع هذا، سيستلزم مني يقيني ببشريتي أن لا أرضى بأقل من الكون كله لغذائي. في الحالين مأزق تصعب إدارته بغير مجازات، وهذه الأخيرة بحد ذاتها ألم يضاعف من عسر المأزق. لم تكن تلك عدائية إذاً ولا هذه أيضاً بإيجابية متوافقة إلا بقدر ما هما طريقتان ظَرْفِيَّتَان لسياسة الإحراج الذي وقَعْتُ فيه بمحض وجودي شخصاً شَبَّ في تيار من مكونات عرضية تَتَراوَحُ بين «هنا» و«هناك» وتَظْهَر في ما أكتب، والذي هو ليس إلا ذريعتي للنجاة بشيء من «حُسْن التخلُّص» لم تكن لي فيها أية فضيلة تضعني في صف غير صف الذرائعيين الذي لم يجد غير الأرض يصطف ليزرع الأمل بقدر ما يزرع اليأس بقصد (تعطيل) الآلة التي تأكل النهايات، أو، على الأقل، (إصابتها بالجنون) فتأكل الموائل والمثاني و…؛ ربما يفلح الواحد في أن لا يولد مرة أخرى إن فشل في أن لا يولد مطلقاً.