كادت الغابة والصحراء أن تحولنا من شعراء إلى باحثين أكادميين

حوارات
  
الشاعر: محمد المكي إبراهيم

وجود العملاق الأوروبي حفَّزنا للإنتباه لواقع التعدد في السودان

محمد المهدي المجذوب مثال للشاعر المتمرِّد حتى النهاية

لم أتوقف عن التجريب، كتبت قصيدة النثر وأملك مجموعة منها

لست متأكِّداً من درويش، لكن أدونيس شاعر لن ينسى

لهذا أفهم رغبة الأجيال الجديدة في الكتابة بأشكال حديثة

أن تقضي يوماً كاملاً برفقة الشاعر محمد المكي إبراهيم، يعني أن تسقط من حساباتك الإمكانيات التي يملكها الحوار للكشف عن إنسانه وشاعره، أتحدث هنا بواقع عملي كمحرر ثقافي، والاعتراف هنا يكون بمثابة مدخل إلى الاتجاه الذي سار فيه الحوار والنتائج التي توصَّل لها. إنها قاصرة.

ربما كنت محظوظاً بهذه الرفقة، إذ بيَّنت لي أن الشاعر، إن واتتك الجرأة لمحاورته، فإنك ستحتاج لحياةٍ متعددة الأوقات والأمزجة للامساك ببعضٍ من خلاصاته. فما بالك بشاعر يُعجِّل نبض التاريخ السوداني كلما اتجهت إلى قصائده متجرداً من زمانك ومكانك.

محاولة الحوار هي نقاط ضوء صغيرة في اتجاهات وخيوط مختلفة تتلخص في: حياته الحالية، الغابة والصحراء، الحركة الثقافية السودانية، حوار الشرق والغرب، وأخيراً عن الشاعر. وهو الخلاصة التي تقود تلك الخيوط المذكورة.

حاوره: مأمون التلب

عن الحياة خارج الحدود

ما الذي فعله وعمل به الشاعر محمد المكي في السنوات الماضية التي قضاها برفقة عائلته في أمريكا، وأين كانت الكتابة في هذه الأزمنة؟، يقول الشاعر المكي: (كان أول عمل أقوم به في سفارة قطر في واشنطون بصفة مستشار سياسي، والقطريين معروفين بالرقة والعذوبة وهذا ما جعل العمل معهم ممتعاً ومفيداً، ويتلخص عملي في رصد التطورات السياسية الطارئة وكتابة تقارير عنها ويبعث إلى الدوحة. بقية وبقية الوقت انفقه في الكتابة بمختلف أنواعها، وقد كان برفقتنا الصديق الصحفي طه النعمان ولكنه غادرنا ليعمل رئيساً لتحرير صحيفة أخبار العرب، وقد كان من الذين شجعوني ورغَّبوني في الكتابة والاستمرار بها، وكنت أكتب له مقالاً أسبوعياً. وكنت أنجز هذه الكتابات المختلفة في المكتب أو في عطلة نهاية الإسبوع. كانت أياماً غنية وثرية.

بعدها انتقلت إلى الخدمة في معهد أمريكي، وهو مختص بتعليم اللغات، ولكنني لم أمتهن تدريس اللغات وإنما كنت في قسم آخر. قسم مثير جداً، فقد كنا مشرفين على وضع الإمتحانات للمعهد، وتحديداً كنا نقوم بصياغة نوع من الأسئلة يحاول أن يمتحن فهم الطالب للمادة وذكائه، وليس حفظه لها. وقد كانت صياغة هذه الأسئلة شيء ممتع ومدهش، وكان علينا أن نضع ثلاث خيارات غير الخيار الرابع الصحيح، وكان لا بدَّ من إقتراب الخيارات الخاطئة من الإجابة ومشحونة بإغراء كافي للطالب ليختارها، وألاَّ ينجو منها سوى الذكي والمستوعب للمادة أو اللغة. وقد استهوتني العملية جداً، حتى أنني فكَّرت في استخدامها كفكرة لبرنامج تلفزيوني، أو إذا فكرنا وأدخلنا هذا النظام إلى التعليم في بلادنا لكي نُخفِّف عن طلابنا ونمتحن ذكائهم لا حفظهم. ولأن وضع الإمتحانات عملية صعبة وإبداعية كنا نعمل خارج الدوام Over time وهذا من الأسباب التي أخذت من وقت الكتابة الكثير، ولم تكن الفرصة متاحة إلا لكتابة بعض المقالات من حين لآخر وباحتيالات على الزمن اليومي المزحوم، والتي كنت أنشرها عبر الإنترنت وصحيفة السوداني وأحياناً كنت أكتب لصحيفة الخليج. شعرت أن الحياة بهذه الصورة لا تستقيم، وقررت أن أفرِّغ نفسي للكتابة ولقاء الأهل والأصدقاء، هذا ما دفعني فيما بعد للعودة للسودان.

ويمكنك القول بأن هذه الزيارة تكون بمثابة استطلاع ربما يفضي لقرار عودة نهائي، طالما أن سلطات الأمن لن تأتي لاستجوابي).

عن الغابة والصحراء

كان لنا سؤالان في هذا الاتجاه، حيث أثيرت العديد من الأسئلة بعد نشره لمقاله الطويل (التاريخ الشخصي للغابة والصحراء) والتي تحوَّلت فيما بعد إلى ورقة قُدمت في المؤتمر العام لاتحاد الكتاب السودانيين، هل يمكننا أن نطلق اسم (مدرسة أدبية) على الغابة والصحراء؟ و هل كان الانتباه لواقع التعدد من قبل متبنيي تيار الغابة والصحراء رد فعل للعنف والحرب التي استعرت في تلك الفترة؟، يقول محمد المكي: (لا أعتقد أن إسم (مدرسة) سيكون سليماً لو أطلقناه على الغابة والصحراء، وربما كانت أقرب إلى (رؤية) لواقع التنوع والاختلاف في السودان، إذ كنا نريد وعملنا على إتجاه أن تصبح الغابة والصحراء مدرسة أدبية فنيِّة، وكنا نريد لمتن الثقافة السودانية أن يكون سودانياً، كيف؟ كان هذا متروكاً لإبداعنا عن طريق تنقية تعابير من اللهجة السودانية وإدخالها في لغة الشعر، أخيلة، أساطير، ولكن لم نمضي كثيراً في هذا السبيل، فقد كادت مدرسة الغابة والصحراء أن تحولنا من شعراء إلى باحثين في الانثربولوجي والإثنولوجي وأشياء من هذا القبيل، وكان الاستاذ يوسف عيدابي هو القاطع لمسافات طويلة في هذا الطريق، طريق الكتابة النظرية للغابة والصحراء، فكان بعقد مقارنات ويتوقف في الأسماء محاولاً إيجاد الأسماء السودانية الخالصة، وأذكر أنه توقف مرة في اسم (حمد النيل) إذ كان يرى فيه إبداعاً سودانياً خالصاً، غير مستمد من ثقافة عربية أو من ثقافة أخرى. ولكن توقف هذا المبحث فيما بعد، ربما لنمو نوع من الوعي الجديد، وتوقف خاصة عند الذين هاجروا إلى البلاد العربية، حتى أنهم اتخذوا موقفاً متحفظاً معي، وهذا التحفُّظ والتوقف هو ما حوَّل ما كنا نريد له أن يصبح تياراً ومدرسةً فنية، إلى نوع من (الرؤية) سودانية لواقع الاختلاف، ولا أعتقد أن لنا الفضل في ذلك لأننا صمتنا لفترات طويلة جداً).

ويستطرد المكي نحو السؤال الثاني قائلا: (بالنسبة لي ولعثمان النور أبكر، كان وجود العملاق الأوربي، أحد الأسباب التي أدت لهذه الانتباهة، كان هنالك عملاق ثقافي يتطلع من علوِّه إلينا ويتساءل عنَّا نحن الناظرين إليه من أسفل: (من أنتم؟) والسبب والمحفِّز الثاني هو كما قلت (حرب الجنوب)، وجود الحرب  يثير التساؤل حول جدوى ومعنى الحرب بين عرب وأفارقة، ولماذا؟  وأين هم هؤلاء العرب؟ وقد كان هنالك بعض الأشخاص، ممثلون لنا، ممن ساهموا في إشعال نار الحرب، كان منهم مثلاً الإداري المعروف علي بلدو، وعندما تنظر إليه تدرك أنه أفريقي مثلك، ولا تجد مبرراً لما قام به من تصرفات ساهمت في إشعال الحرب. كيف تنتفض الحرب بين أفارقة وأفارقة؟ حتى أنني أتحفَّظ على أفرقيقية الجنوب، وأعتقد في أن الجنوب لا يحب شيئاً كما يحب الشمال، الجنوبيون في أفريقيا غرباء، هم ينتمون لهذه البلاد فقط، هم أهلنا وأحبابنا كما نحن أهلهم وأحبابهم).

عن الحركة الثقافية

ساقتنا اسئلة الغابة والصحراء، وخاصة السؤال حول الانتباه لواقع التعدد في السودان إلى السؤال حول مسئولية هذا الانتباه في ذلك الوقت، وسبب التأخر في إدراك حقيقة التعدد. وكانت اجابته كالآتي: (هذا الإنتباه هو مسئولية الحركة السياسية في ذلك الوقت، إذ لم تبرز حتى ذلك الوقت فكرة المفكِّر الشامل، أو المثقف الشامل، أو تداخل التخصصات، والذي يستطيع استشراف المستقبل. وهذا الاعتماد أدى إلى نتائج سالبة إذ نظر السياسيين لقضية الجنوب باستهتار واحتقار. وللأسف لم يستطيعوا التنبوء بالكوارث التي أصابت البلاد فيما بعد، وحتى الآن. وأغلبهم كانوا يعتقدون في ضلوع يد المستعمر الإنجليزي في هذه الحرب، واكن تحليلهم أنها حيلة منهم لخلق مشكلة وفراغ دستوري تمهيداً لاستيلاء الحاكم العام لكل السلطات، وتمهيداً أيضاً لتمديد فترة الحكم والاستعمار ونسف استقرار السودان، وفي النهاية اكتشفنا الآن أن المستعمر كان أكثر حرصاً وإستعجالاً للخروج من بلادنا وإنهاء التمرّد.

توجَّهت قواتنا لقمع التمرّد الأول، وقد تم ذلك بصورة رعناء وهوجاء وبفظاظة للأسف الشديد، وهذا ما دفع بالمتمرِّدين للدخول إلى الغابة ليس فقط لكي يحاربونا من هنالك وإنما خوفاً كذلك، فقد كان القمع والأحداث مؤسفة فقد علمنا بفظائع كثيرة ارتكبت من نهب وقتل وسلب.

بعد ذلك ظنَّ الناس أن الموضوع قد حُسم، وكان ذلك أيضاً لسهو وغفلة منهم، وفي فترة حكم نظام نوفمبر أطلت برئسها من جديد فاستهونوا بالأمور وظنوا أنهم يستطيعون حلَّها مرة أخرى بالسلاح والقوة. والنبل الوحيد في نظام عبود كان في استشارته وطلبه لرأي الناس عندما اشتدت الأمور واستعرت الحرب، إذ استطاع النظام أن يدرك أهمية الديموقراطية في حل هذه الأمور، وللأسف لم يقدر السودانيين هذا الفعل النبيل من نظام عبود، وبدلاً من التقدير استعملت واستغلت لإسقاط نظامه باعتبار أننا قادرون على كل شيء، قادرين على التنمية والتصنيع ..الخ وعلى حل مشكلة الجنوب).

وفي ذات سياق الحركة الثقافية كان السؤال للشاعر محمد المكي: ما الذي تتوقعه من اتحاد الكتاب السودانيين وعودته؟ ما الإضافة التي يمكن أن يقدمها الإتحاد للحركة الثقافية السودانية؟ هنا يقول: (إتحاد الكتاب السودانيين أقوى وأهم منظمة مجتمع مدني في السودان، لأنها تملك القدرة على تحريك الرأي العام وقطاعات الفكر والثقافة والأعمال، وبالتالي تستطيع أن تساهم في إنشاء بقية منظمات المجتمع المدني، إذ هو اتحاد كتاب وليس أدباء أو مبدعين فقط. ومنهم المفكرين والاقتصاديين والباحثين في حقول الاجتماع والفلسفة، ومن هذه النواة تنبت بقية مؤسسات المجتمع المدني وتتأسَّس. ومن أفضل ما حدث في هذا العام أنه عاد واستعاد كيانه وذاتيَّته، وسأبذل جهدي معكم جميعاً ليكتسب الإحترام والمصداقية، ولكي يتجرد من أي نعرة حزبية، حتى في المواقف الدولية من الأفضل له أن لا يتخذ مواقف ذات إهاب أو إنحياز معين. وبالتالي يستطيع الإتحاد أن يكون قدوة لبقية المنظامت ومنه ينطلق العمل.

أتمنى أن ينخرط المثقفين في هذا العمل لأننا، بابتعادنا عن الأحزاب واحتقارنا لها، تركناها لتصاب بفقر الدم السياسي وبالتالي تخبطت، ويجب أن نستفيد من هذا الدرس. وفي اعتقادي أننا تأخرنا في وضع البرامج البديلة لإنقاذ الوطن من الوهدة التي وصل إليها في هذه الأيام. أتمنى أن يكون إتحاد الكتاب السودانيين هو رأس الرمح في التخطيط والتجهيز ليوم الفصل).

حوار الغرب والشرق

كيف كان أثر الحوار الإنساني والأدبي مع الغرب؟ هنالك زاويتين الأولى رأي الشاعر في هذا الأثر على السودانيين المقيمين في الغرب، وأثر ذلك الحوار عليه وعلى تجربته الأدبية. يقول محمد المكي شارحاً رأيه في الزاوية الأولى: (لا أعتقد في وجود شرق وغرب في هذا العالم في الوقت الحالي، انتهت هذه الثنائية، هنالك غرب فقط. الآن هنالك روس اشتراكيين في أمريكا يبحثون عن حياة وعمل، كما حدث ذلك مع شعوب كثيرة من شعوب العالم كاليهود مثلاً. وقد اندمجوا في الحضارة وأنتجوا، مثلاُ محرِّك بحث (google) أضخم محرِّك بحث على الانترنت من عمل مهاجر روسي !. الغرب في أساسه مبني على الانعزال والسودانيين قاموا بتربية اتجاهات انعزالية جداً، لم يستطيعوا أن يحاوروا الثقافات الأخرى، لم يستطيعوا الإستفادة والإفادة منها، حتى أنهم لم يختلطوا بالعرب أقربائهم في اللغةن فتجد أن نفوسهم مليئة بالـ(حزازة) فيقولون أن العرب يحتقروننا، وكنت أتحدث مع كل فوج يزورنا من الأساتذة أن الوضع هنا مختلف، يمكن أن يكون حقيقياً في الدول العربية نفسها والخليج، ولكنها لن تجد مكاناً هنا، هنا العرب مختلفين، عاشوا نفس الظروف التي عايشها السودانيين في بلادهم، هربوا بحثاً عن الحياة والحرية، وإن المصائب يجمعن المصابين.

لا أشهد للسودانيين بالاندماج في الدول الغربية، بل أشهد بانغلاقهم على انفسهم. لكن رغم ذلك فهم معروفون بالثقافة الرفيعة والمتابعة، يتابع السودانيين الأحداث السياسية والاجتماعية والإعلام بصورة دقيقة ومستمرة، حتى أنهم برعوا في ذلك أكثر من أهل أميركا ذات نفسهم).

وفيما يخص الزاوية الثانية، تأثيره على تجربته الشخصية والأدبية، فقد كان مدخلنا إليها بالإشارة إلى نماذج من العاملين في حقل الانتاج الثقافي وكيف أنها _هذه النماذج_ استطاعت أن تخلق علاقة حوار جادَّة ومفيدة مع الغرب، وكان الدكتور (عبد الله بولا) هو المثال الذي جرى حوله الحوار، يقول المكي في هذ الصدد: (شعرنا الذي كتبناه والذي نكتبه لا يجد قبولاً في المجتماعت الغربية واللغة الغربية، ففي حالة ترجمته يتحوَّل إلى كلام عادي، لهذا أفهم رغبة الجيل الجديد من الشعراء السودانيين في كتابة القصيدة الجديدة والمختلفة في لغتها وخيالها.

بالنسبة لفنان كالدكتور عبد الله بولا، فهو فنان ورجل متميِّز، وأعمال الرسم والتصوير هي فنون بصرية وهو لا يحتاج لوسيط، عكس منتوجنا اللغوي. فالشاعر والقاص والروائي يجب أن ينجز النقلة اللغوية من العربي إلى اللغات الأخرى، كما عليه أن يبحث عن القاريء أيضاً. كذلك نجد أن لغتنا الإنجليزية ضعيفة، ولا تصل إلى مستوى ترجمة الآداب.

أخشى أن ما اتحدث عنه هو القاعدة بينما يكون عبد الله بولا هو الاستثناء. القاعدة هي انعزالية السودانيين وترددهم في الحديث باللغات الأجنبية، الكثير من التردد و(التعتعة). ولكن في مجال الفهم عن المجتمعات والتلقي عنها في آثارها المكتوبة والمرئية يمكننا أن نعتبر أن السودانيين _في هذا المجال_ هم الأحذق والأقدر).

الشاعر

وانتقالاً من العموم للخصوص، حاولنا أن نثير الأفكار والمفاهيم التي تخلَّقت لدى محمد المكي من جرَّاء معايشته وخبرته بالشعر والشاعر الذي يكمن في ذاخله، وبعد هذا الزمن الطويل، ما هو مفهوم محمد المكي عن الشاعر؟ يقول: (هنالك أنماط وأنماط من الشعراء، وكما قال إليوت: (يستطيع أي إنسان أن يكتب الشعر حتى سن الخامسة والعشرين، ولا يستمر بعد ذلك إلا الشاعر الحقيقي). كثيرين تصدوا لكتابة الشعر ولكن أين هم الآن؟، أنظر لتاريخ الشعر العربي مثلاً، ودع عنك العصر الجاهلي لأنه كان عصر نبوغ، ولكن دعنا نلقي نظرةً على العصور الأموية والعباسية ستجد الكثير من الأسماء: ابو سبط التعاويذي، زهير، ذو البهاء وغيرهم من الأسماء، شعراء جيدين ومتمكنين ولكن لا أحد يعبأ بهم ولا أحد يقرأهم، لأنهم لم يقدموا جديداً، ولكنهم حذقوا لعبة كتابة الشعر وقطعوا مسافات طويلة في هذا الدرب، وطالوا سماوات عليا ولكن بلا فائدة!. هذا ينطبق أيضاً على الشعراء المعاصرين والأقدم أيضاً، ستجد الكثير من الشعراء المنسيين، وهذا يعني أن هنالك شاعر متفوِّق، لا أدري ما هي مواصفاته ولكن انظر إلى المتنبي الذي يقرأ حتى الآن، شوقي مثلاً، نزار قبَّاني بصيرورته الكبيرة لن ينسى إلا بعد عشرين أو ثلاثين عاماً. أدونيس مثلاً شاعر لن ينسى قريباً، ولكنني لست متأكداً من محمود درويش. وفي رأي أدونيس أن أبي نواس لن ينسى. هذه نقطة أولى.

ثانياً: ليس كل ما يخطّه الشاعر يستطيع أن يصمد ويظل خالداً، وفي رأيي أن أعظم الشعراء تتبقى له قصيدة أو قصيدتان على قيد الحياة لا أكثر، ليس كل تراث الشاعر قابل للبقاء، وهذا لا يعني بالطبع أن نتوقَف عن الكتابة، ولكن نسعى ونكتب إلى أن نصل إلى القصيدة أو القصيدتين الخالدتين).

تمرد

التنازل عن التمرُّد الذي يصاحب فترة الشباب، هل هو قدر الشاعر؟ العودة إلى الأجواء المطمئنة والهادئة؟ جاء هذا السؤال بعد أن سمعته يتحدث عن أيام الشباب كفترة تمرُّد مُتَجاوَزَة، يرد على هذا السؤال قائلاً: (أعتقد أن هذه أمور شخصيِّة، وليس قدر كل شاعر متمرِّد أن يهدأ مع الزمن. هنالك من قضى حياته حتى النهاية متمرِّداً، مثل الشاعر الصديق محمد المهدي المجذوب، فقد ظل متمرِّداً للنهاية، خارج الإطار الإجتماعي، وبعد أن كان مهاجماً للأشخاص أصبح مهاجماً للأفكار، إحساسه الحاد بالفقر والظلم. وقد كنت في حيرةٍ: من أين تأتيه هذه الطاقة والقوَّة؟ أراه يصر على السكن في منطقة السوق، حيث العراك اليومي حول المادة والمال وسبل كسب العيش، وكان رحمة الله عليه يمشي على قدميه من وزارة الخارجية وحتى منزله المقابل لشارع الغابة. حيث يمر عبر السوق، أحياناً لحاجةٍ يشتريها وأحياناً يعبره للتأمل فقط، ملتقطاً العديد من المشاهد، فكان يرى النشالين والمتسولين وبائعات (الطواقي) وبائعات (الكسرى) والخضر، الشتائم المنطلقة والمداعبات والمعاكسات. فكان يملك الحكمة والوجدان القادر على التقاط المعنى من هذه لمشاهد، يتعلَّم من الشارع. كا مثالاً للشاعر المترِّد طوال حياته، وهذا مثالٌ حقيقيّ. لا أنصح أحداً بالرجوع لطفولته، أو التصوّف. فإنني أعتقد بأنها تجربة فردية وشخصية).

كتابة حديثة

صرَّح محمد المكي في الندوة التي أقامها اتحاد الكتاب السودانيين بمركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، احتفاء بأكتوبر وبالشاعر، أنه ليس راضياً عن كتاباته الجديدة، فكان لنا سؤال عن أبعاد هذا الرأي، ويرد شارحاً: (لأنها في سبيل أن تكون تكراراً لما كتبته من قبل، على الأقل بنفس الأشكال ونفس المفردات، وأنا لا أحب أن أكرر نفسي، وأصنِّف نفسي عموماً، منذ بداية التجربة وحتى الآن، في خانة الشعراء الْمُقِلّين، وكل ما أنتجته حتى الآن لا يتجاوز الخمسين قصيدة. مزَّقت الكثير واستبعدت الكثير، وأعلنت عدم رضاي عن الكثير. فأجد في أحيان كثيرة من يقول لي بأنه عثر على قصيدة لم تنشر ولم يقرأها أحد، ويبدي إعجابه بها ولكنها تكون من (المتروكات)).

تجريب

كان لنا سؤال حول بحثه عن أفكار جديدة في الكتابة، التجريب، والمحاولة بطرق الكتابة الحديثة المطروحة منذ زمن طويل والآن، هل راودته هذه الرغبة؟ هل كان له انتاجاً في هذه المساحة؟ يقول: (كتبت قصيدة النثر عندما كنت في ألمانيا، ولدي مجموعة بعنوان (وأيَّاماً تجمَّدَ الغناء) وربما أُخرِج بعضها للنور بعد عودتي لها، ليست مكثَّفة بالقدر الكافي، ولكن حالاتها جميلة وقريبة من القلب. كتبت الشعر العمودي طبعاً وكان ذلك في بداياتي والكثير من الناس لا يعرفون هذه المعلومة، وينتقصوا منك بدعوى أنك لم تكتب الشعر العمودي، ولكنني كتبته وقرأته وحفظته حتى أغمي عليّ. ولكنني لم أتوقف عن التجريب، أعتقد أن آخر ما كتبت، وهي قصيدة بعنوان (قَتَل الجنجويد غزالي)، تتضمن نوع من التجريب. وربما أنسج على هذا المنوال ديواناً صغيراً في المستقبل)

قصيدة النثر

في ختام الحوار، كان لنا سؤال حول قصيدة النثر، ورؤيته للشعر الآن، يقول محمد المكي: (صرت أميل إلى أن يكون الشعر أبسط وأقصر من ما كتبته في السابق، أن يتحوَّل الشعر إلى جسم بالغ الكثافة مثل الألماظة التي ضغطت عليها الأرض مئات السنين لتتبلور وتخرج بالقيراط والقيراطين. وأعتقد أن هنالك (إنبهال) وتوسُّع في الشعر العربي الحديث، وإذا أريد له أن يُقرأ في هذا العصر فأعتقد أن عليه أن يشدَّ نفسه ويجمِّعها ويتكثَّف بشدَّة. وفي قصيدة النثر هنالك كثافة في كل سطر، وإذا استمرت واستمرت فإنها تتحوَّل من الكثافة إلى الترهل. وأتنمى أن نطلع أكثر وأكثر على الشعر الغربي المعاصر، ونماذجه، وسنجد القصائد الطويلة طبعاً والقصيرة أيضاً، ولكن القصيدة الغربية المعاصرة، في عمومها، لحظة مكثَّفة جداً من الزمن، ومعاني مدغمة وعلى القاريء أن يستغل ذكائه ليصِلَ إليها. دائماً ما أتذكر، كمثال لما أعجبني من شعر، قصيدة لـ(هيميلي ديكنسن) من أربعة أسطر أو خمسة، تقول:

السماءُ كانت جميلة

والشمس كانت مشرقة

والنحل يطنُّ

والزهور متفتِّحة

وعندها أدركتُ أنا

أنني الوردة.

ويدخل القاريء في نوع من التخمين والتفكير الممتع للوصول إلى المعنى. أتمنى أن نرى نماذج جديدة أكثر كثافة وبساطة. لكن لا أعتقد أن هنالك مشاكل في الخيال، الخيال في القصيدة العربية الجديدة بخير، والخيال السوداني بخير، ويخلوا من الإفتعال، وكما قال شكسبير: (لا تلوِّن البنفسجة) ولكن هنالك نماذج طبعاً سيئة ومليئة بالافتعال، وألاحظ ذلك في الشعر النسائي العربي، فنجدهم يصبغون نعوتاً على أشياء ثم لا يكون القصد في النهاية إلا التغريب. ولكن القاريء أفطن من ذلك، ويعرف الخيال الحقيقي والشعر الحقيقي.

 نُشر في الملف الثقافي بصحيفة السوداني