بمناسبة صدور كتابه (والماء إذا تنفس)الشاعر (سيد أحمد بلال): هذا نصيبي من الشعر

حوارات
  حاوره: الصادق الرضي

الشاعر (سيد أحمد علي بلال) شاعر ومترجم يقيم ويعمل بلندن. درس جامعياً الآداب اليونانية والإنجليزية بجامعة أثينا الوطنية، ودرس اللغة الإنجليزية بإدنبره والترجمة بلندن، على مستوى الدراسات العليا. صدر من ترجمته عن دار المدى في العام 1998م كتاب (تصوُّف) للكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكس.

كتابه (والماء إذا تنفس) صدر مؤخراً، في (76) صفحة من القطع المتوسط، تصميم الغلاف والإخراج الفني لـ(فتحي محمد عثمان) والتنفيذ لـ( أيمن حسين)، متضمناً عدداً من القصائد التي تنشر لأول مرة بين دفتي كتاب والتي كتبها متنقلاً بين مَهَاجر عديدة من بينها أثينا وإدنبره، كما تضمَّن الكتاب بعض المختارات من مجموعته الشعرية الأولى (نداءات أثناء سجود السَّهْو) والتي كانت قد نشرت في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم، بجهد طلابي مطبوعة على ماكينة الرونيو.

احتفى به المثقفون والمبدعون بلندن في أمسية ثقافية يوم 18 نوفمبر، وتحتفي به السوداني الثقافي من خلال فعالية يعلن عنها لاحقاً، ومن خلال هذه المقابلة ذات الخصوصية التي أجريناها معه عبر البريد الإلكتروني.

 حاوره: الصادق الرضي

 ·   يُحتفَى بك هذه الأيام، ويُحتفى بـ(والماء إذا تنفّس). كيف هي قصتك مع الشعر بالمناسبة، طفولتك الشعريّة؟؛ أحك لنا عن عمر هذه القصائد، عن عمر هذا الكتاب.

_ لا أدري بالتحديد متى بدأت قصتي مع الشعر. ربما بدأ اللعب بالكلمات منذ الطفولة، وظل ما يغريني بالمواصلة يتجدّد. لكني عرفت المتعة الحقيقيّة للشعر كقارئ ثم كدارس له. كانت المجلات والكتب متوافرة في مكتبة أخي الأكبر إبراهيم وكانت كأنها تنتظرني كي أكبر. منذ المرحلة الوسطى كان لي أصدقاء من محبي الشعر. كان الشعر ملازماً للصداقة. أينما ذهبت يوجد أصدقاء؛ شعراء وأصدقاء في الشعر والحياة.

كنت محظوظاً أيضاً بتلقِّيَّ دروساً في الشعر على أساتذة يحبون الشعر. كان هناك أستاذي بشير عبدالماجد في المدرسة الأميرية الوسطى ببورتسودان شاعراً رقيقاً ومعلماً مبدعاً. كانت الدقائق الأولى في درسه، أي المدخل لدرسه، وحدها تكفي لتقف بوصفها عملاً فنِّيّاً بديعاً. وفي دراستي الجامعيّة ساعدني الحظ أن يكون أستاذي في الأدب الأمريكي هو الشاعر الأمريكي بيرتراند ماثيو مترجم آرثر رامبو (الترجمة الأمريكية).

 المرحلة الثانويّة كانت مرحلة انفتاح أكبر على الشعر الحديث والفن التشكيلي وجديد الخط العربي برغم إدماني الشديد للقراءة في حقول أخرى بعيداً عن ما في المنهج الأكاديمي. وكان للأصدقاء من الطلاب وأساتذة الفنون الفضل في فتح أعيني على تلك القارة الجماليّة. شعراء الستينيات السودانيين وشعراء الحداثة الشعرية العربية (عبر مجموعاتهم الشعرية وعبر مجلات كـ”مواقف” وغيرها) كانوا بعض زادي إلى أن غادرت السودان عام 1976م. كان الشعر جزءاً من حياتي لكنني ظللت أدفعه إلى الصفوف الخلفية وراء ما هو معلن من هويتي كإنسان، وإن كنت حتى الآن أعتقد أن الأهم من كتابة الشعر هو أن نحيا بصورة شاعرية.

خلال دراستي الجامعيّة في جامعة أثينا الوطنيّة تلقيت كورسات في الأدب الإنجليزي والأمريكي (باللغة الإنجليزية) وفي الأدب اليوناني (باللغة اليونانيّة). تلقيت كورسات الأدب الأمريكي في السنتين الثالثة والرابعة على الأستاذ الأمريكي الشاعر بيرتراند ماثيو مترجم آرثر رامبو (إلى الأمريكيّة) والممسوس به وبوالت ويتمان وهنري ميللر وأنيس نين. فتح بيرت ماثيو أمامي أبواباً في الشعر لم تغلق بعد. كنا نحتفل معه بعيد ميلاد والت ويتمان مع مطلع الشمس عند عتبة الأكربول برغم أن ويتمان كان قد توفى قبل قرن ونيف من ذلك التاريخ. درست على ماثيو أدب القرنين التاسع عشر والعشرين الأمريكي، أما الأعوام الثمان ونيف التي عشتها في اليونان طالباً؛ عاملاً، ثم محرّراً ومترجماً بعد التخرّج، فكانت تستيقظ وتنام مع أشعار كافافي وكيريوتاكيس وسكيليانوس وسيفيريس وإليتس وريتسوس وغيرهم.

وعن سؤالك عن عمر قصائد (والماء إذا تنفس) أقول إن معظمها تحمل تواريخ كتابتها، وعن سؤالك عن عمر الكتاب أقول ما قلته في مقدمة الكتاب؛ “كانت معظم نصوص (والماء إذا تنفَّس) معدّة للنشر عام 1999 بإهداء (إلى أمي). لكن الموت غيَّبَها، عليها الرحمة، في العام نفسه. ولم أستطع إلاّ أخيراً تغيير الإهداء ليصير (إلى روح أمي)”. وكما قلت في المقدمة أيضاً؛ “نشرت العديد من نصوص المجموعة من قبل في مجلات متخصّصة وغير متخصّصة، وعلى صفحات ثقافيّة بصحف سودانيّة وعربيّة، وشاركت ببعضها في قراءات شعريّة”. وأضيف هنا أنني كنت سأكتفي بذلك النشر والقراءات الشعرية وأهمل إصدار المجموعة، تحاشياً لتعقيدات النشر وغيرها، لكن عدداً من الأصدقاء لم يشاركوني ترددي هذا فحدث ما حدث.

·   أثينا، نيقوسيا، إدنبره، لندن، وبالطبع الخرطوم: مدن ولغات عديدة، وجوه أصدقاء، غبار تجارب، عناوين كتب، أصداء مناقشات، حنين لـ”ريف بعيد شخصي”، أثمة ما يمكن أن تقوله عن هذه العوالم؟

ـ وماذا سيتبقى لي من زمن ومن كتابة إذا أجبت على كل هذا. أتذكَّر مقطعاً شعرياً لمحمود درويش يقول فيه: (كل العمر لا يكفي لقبلتها). وأقول لك هنا (كل العمر لا يكفي لإجابة هذا السؤال المتشعب).

سأحصر حديثي هنا عن المدن. أول تلك المدن بورتسودان حيث قضيت الـ12 عاماً الأولى من حياتي المدرسيّة فيها. أحلم بالكتابة، بل أعد العدة لها، عن عُمَّال عَنَابِر ديم التجاني الذين قضيت بينهم السنوات التسع الأولى. هذه إحدى شهاداتي التي آمل أن تعادل الكتابة فيها التجربة.

أثينا ونيقوسيا وأدنبرة مدن لم أمرّ بها عابراً. هي حواضر لبلاد مكثت بها وقتاً كافياً أمكنني من التعرف النسبي على شعوبها ولغاتها، حلمت فيها وأحببت وصارعت، ومن فرط حبي لها لم أعد إلى أيٍّ منها حتى الآن برغم توافر إمكان الزيارات، لكن ربما أفعل.

لا أتصوّر أثينا خاليةً من أولئك الذين كانوا ملء سمعي وبصري. أثينا التي ذهبت إليها بعد عامين من ثورة البوليتكنيك (كليّة الهندسة) وتقوُّض سلطة العسكر، كانت تستردُّ ما أخذته منها سنوات الدكتاتوريّة. وكان الطلاب الجدد الذين زاملتهم في الدراسة من الذين فاتهم شرف حضور تلك اللحظة الباهرة يحاولون التعويض عنها بكل أشكال التمرد… أثينا، نمت في معظم حدائقها وعرفت كل نخلة فيها. أغلب أهلها مفعمون بالحرية والوجد والتعبير بالكلمة والجسد. وبرغم اللغة الواحدة (اللهجة مختلفة) بين أثينا ونيقوسيا إلاّ أن إيقاع الاقتراب من القبارصة كان أبطأ، لكن بمجرد أن يثق فيك أحدهم تنفتح الأبواب (ربما التأني والحذر جزء من شخصية أهل الجزر). أما إدنبره فقد سحرتني بجمال لهجتها وطبيعتها وحدائقها النباتيّة وتواضع علمائها وفنانيها والنزوع التجريبيّ وإبداع بدائل على مستويات التعبير والسلوك والاعتقاد كافةً.

أما الخرطوم ولندن فلنتركهما لحديث آخر.

·   شعرك الدارجي لم يتضمنه الكتاب، أو كتاب آخر. هل ثمة محاولات لكتابات مسرحيّة، وماذا عنك شاعراً في مستوى آخر من مستويات اللغة، ماذا عنك في مساحات أخرى؟

ـ لم أحسم، وربما لن أحسم أبداً، مسألة الكتابة الشعريّة، وهل تكون بالفصحى أم بالشعبية المحكية (العامية). لذلك أكتب بهما ولي نصوص عديدة باللغة (العاميّة)، كما كتبت ثلاث مسرحيات صغيرة في أزمنة متفرّقة، إحداهما باللغة (العاميّة) والثانية بالفصحى والثالثة خليط من كل الأشكال الشعريّة وغير الشعريّة. هناك مسرحيّة رابعة ضاعت، وحين أتذكرها أحس بوجود ثقب في قلبي.

الدراسات النقديّة هي الأقرب إلى قلبي. مازلت أقرأ وأتابع وأسجل الملاحظات على الهوامش، وأحلم بيوم أعود فيه ثانية لتجميع تلك الملاحظات في جسد كتابة متماسك ذي مغزى.

·       هل أنت مُقِلّ في الشعر؟

ـ لست مكثراً ولست مقلاً. هذا نصيبي من الشعر. مرّت أحيان لم استطع فيها كتابة الشعر وظننت أنه ذهب إلى غير رجعة. عملي في الترجمة لكسب العيش يجبرني على الابتعاد عن الكتابة، في الشعر وفي غيره، بعد الجهد اليومي المضني الذي أبذله في الترجمة، ،وهي ترجمة خارج نطاق النصوص الأدبية.

·       لم تصدر لك ترجمة سوى كتاب (تصوّف)، أيضاً، هل أنت مقلّ في الترجمة؟

ـ لا لست مقلاً في الترجمة فقد ترجمت تقارير وكتباً لمنظمات دوليّة ولمؤسسات ثقافيّة مختلفة ولصحف ومجلات وأفراد، معظمها من الإنجليزية إلى العربية، وعملت في الترجمة والتحرير في مجلات ووكالات أنباء، وشاركت في ترجمة موسوعة علميّة، وكنت قد ترجمت أعمالاً شعريّة من اليونانيّة إلى العربيّة. ومازالت لدي طاقة ودافع لمواصلة الترجمة إذا سمح الوقت بذلك؛ فهي من متعي القليلة في الحياة.

·       المبدع السوداني مهاجراً، من واقع تجربتك: ما هي الخسائر وما هي الثمار؟

ـ هناك عدة أسئلة تقفز إلى الذهن بموازاة سؤالك هذا: هل تقصد المبدع/ة عموما أم الشاعر/ة. هل هناك قانون واحد ينطبق على كل الحالات؟. هل يدخل في قرار الفرد المهاجر حسبان أنه مبدع؟، ألا يمثل ضيق سوق العمل الداخلي أمام غير أهل الولاء ضغطاً يدفع للهجرة؟ هل هناك بالفعل خيارات حقيقيّة أم أن الكثيرين دُفعوا دفعاً للهجرة؟

 تجربتي لا تقول الكثير، ولقد تطرَّقت لبعض ملامحها أعلاه. لكن هناك من يبدع في جمع الخسائر أيضاً. ومن ناحية أخرى فإن للمعادلة طرفين: الحرية ومادة العمل الإبداعي. لا شك أن زاد اللغة في سياقها الاجتماعي يمثل مادة مهمة بالنسبة لمن ينتج الشعر، لكن الحرية مهمة أيضاً. الخسائر الكبرى ليست في الهجرة والمهاجرين بقدرما هي في التفكيك المتعمد لبنى ثقافيّة بأدواتها وكوادرها ثم العودة من جديد، بعد عقد من السنوات، إلى مربع الصفر دون مراجعة أو محاسبة أو تعويض.

بشكل عام، أعتقد أن أهم النصوص الأدبية واللاهوتيّة التي قاومت الزمن تتعلق بالهجرة والشتات والحياة كرحلة. وهناك تجليّات لذلك منذ الأوديسا والنصوص التوراتيّة. أما في الحالة السودانيّة فعلى المهتمين بالإنتاج الثقافي رصد الموضوع.

·       (تصوّف) ترجمة، (والماء إذا تنفّس) شعراً، ماذا بعد؟

 ـ أكملت تحرير لقاء طويل كنت قد سجّلته منذ سنوات مع الأستاذ، والباحث في الأدب الشعبي، الراحل محجوب كرَّار، وكان ذلك اللقاء قد جرى في سبتمبر 1996م في منزل ابنه جميل بمدينة مانشستر شمال انجلترا. وكان الأستاذ الراحل محجوب حينذاك في رحلة علاجيّة إلى بريطانيا. ويمثل حديث الأستاذ الراحل تحريضاً قويّاً للكتاب من شعراء وروائيين وغيرهم كي يستندوا في إبداعهم إلى إرثهم وخصوصياتهم الثقافيّة. ومؤقتاً أطلقت على هذا اللقاء الطويل الذي يقع في نحو 100 صفحة من الحجم الصغير اسم (زاد المبدع).

 حاولت أن أنقل ما أدلى به الراحل محجوب من حديث وردوده على الأسئلة، بقدر الإمكان، كما صدرت عنه دون تدخّل يذكر، بل إنني حاولت أن أحتفظ ببعض ما كرّره في حديثه كي أبرز إحدى مهاراته كباحث وهي مهارة الاستناد إلى ذاكرة توثيقيّة دقيقة. وكنت أحياناً أطرح بعض أسئلتي وتعليقاتي في فترات نكون فيها بعيدين عن جهاز التسجيل كي لا أعيق مجرى حديثه.

يبرز اللقاء دور وطاقة وهمّة الأستاذ الراحل محجوب في جمع ودراسة الأدب الشعبي لمناطق الشايقيّة ولأنبّه لأهميّة ما جمعه من تراث وأهمية المحافظة عليه والاستفادة من المنهجيّة والآفاق التي فتحها في مجال بحوث الآداب الشعبيّة.

أتمنى لهذا العمل أن يرى النور.