المرأةُ موضوعاً للإبداع، المرأةُ ذاتاً مبدعاً

نصوص

من خلال جدل العلاقة بين المرأة كموضوع للإبداع، والمرأة كذات مبدع، نطرح شهادات مبدعات من جيل جديد، لكنه ليس مبتدئاً بالضرورة، ونسبة لتشابك زوايا النظر في الموضوع قيد النقاش والذي ربما كان من الاتساع والتعقيد بحيث يقتضي أن يطرح من خلال ندوة كبيرة لاستصحاب شهادات أكبر قدر ممكن من الفعاليات الثقافية والإبداعية، فَقَد اكتفينا هنا بشهادات من الشاعرة (نجلاء عثمان التوم)، والتشكيلية (أميمة حسب الرسول)، والقاصة والروائية (رانيا مأمون)، نرجو أن تكون إسهاماً مضيئاً في هذا السياق.

إعداد: الصادق الرضي

نجلاء عثمان التوم: ليس  متوقَّعاً من القوارير الظَّفَر بأيِّ جوهر
أميمة حسب الرسول: لا يمكن تحديدُ صفاتٍ إبداعيةٍ خاصة بالنوع
رانيا مأمون: الرَّقيب الداخليّ يضع حدوداً للمرأة المبدعة لا تتجاوزها

المرأة: الدُّمْيَة/ الأُعْجُوبة:

تقول الشاعرة (نجلاء عثمان التوم): المسألة قديمة متجددة، إنما بالنظر إليها في سياقها الاجتماعي والتاريخي هي ظاهرة مفهومة وليست إلا تجليات لنمط دارج جداً من التفكير والسلوك، المرجع هنا هو الوضع العام للمرأة في النسيج المجتمعي، درجة الفاعلية التي تَسِمُ مشاركتها الحقيقية سواءٌ أكان ذلك بالأشكال التقليدية أم المغايرة في صنع الحياة، إنه وَضْع لا يمكن بأي حال فصله عن البنية الثقافية للمجتمع المعين، البنية الثقافية بمعناها الواسع؛ أي كمكون أصيل في صياغة ذلك النسيج الذي يأوي جماعة محددة تربطها خلفيات لغوية ومفاهيمية وأنماط سلوكية مشتركة. إن قراءة واقعية للمشهد بغرض رصد جذره التاريخي تجلو هذا الأمر ولا تترك مجالاً للالتباس، إنما أرغب فقط بالتشديد على أن ظاهرة التعامل مع المبدعة كموضوع ليست حكراً علي هذا الجزء من العالم ولا على هذه الحقبة وهي إشارة أخرى إلى تغلغل جذر هذه الظاهرة في طيف عريض من الثقافات الإنسانية، وما بدا من انفتاح وتقدُّم في بعض المجتمعات باتجاه الاعتراف بإنسانية المرأة وبحقها الطبيعي في مجاهدة منحدَرات الفكر والفن والإبداع، جاء مصحوباً بعنف ملتبس الطبيعة بإتاحة الفرص أمامها إنما في واحد من سياقين: المرأة الدُّمْيَة والمرأة الأعجوبة، بحيث أصبحت موضوعة (العنف الثقافي) معضلة من معضلات الأجندة المزدحمة التي تراوح فيها التنظيمات المدافعة عن المرأة وامتهانها في الترويج لسلع الرفاهية والاستهلاك الرخيص لا تزال حاضرة في المحافل الأوروبية، وإن كان الاعتراف بالمكتسبات الغالية التي خرج بها الفكر الإنساني وانعكاس ذلك على مبادرة المرأة إلى موقعها الطبيعي بسلاسة نسبية اعتراف واجب.

وضعية مغلوطة:

وتستطرد (نجلاء): أما عن واقعنا القريب فالصورة أشد وضوحاً، والعنف الجسدي والنفسي من الأمور الشائعة شيوع الهواء، والغالبية لم تَلحظ من الأساس أن هناك وضعية مغلوطة، والظاهرة لشدة تأصُّلها أفلتت من إمكان ربطها بمستوي تعليمي أو بانحدار اجتماعي رهين لشروط قمعية؛ فالنخبة نفسها غارقة في العنف ضد المرأة، سواء أكانت صاحبة نتاج إبداعي أم لم، والإشارة واضحة؛ لأن قالب ثنائية الذكر والأنثى صوته أعلى بكثير من أي قالب آخر، هذا واضح بتأمل طفيف للأمية التي نحن غارقين فيها بما في ذلك من ارتقى درج المعرفة الأكاديمية واستراح إلى شُرْفَة المؤسسية، دون أن يهتز لأنماط سلوكه الثابتة الجفن. نفكر في الطريقة التي نتحرك بها داخل شرنقة الارتباك هذه، الكيفية التي نستجيب بها والتي نعمل ونتغير بها.

فداحة القصة:

وتطفق نجلاء في طرح الأسئلة: كيف نحلم وننتقي أصدقاءنا أو نتركهم، كيف نحب وكيف ننسى وكيف

نهاجر وكيف نموت وكيف نحزن على موتانا. أما عن عَنَت المبدعات فليس إلا جزءاً، علامة في الشيفرة المختزنة في كمائن طوب، إذا كانت لديك أية رغبة في تلمس فداحة القصة قم بشراء تذكرة حفل حي لعقد الجلاد، اجلس في أي مكان يروق لك، واستمتع بغناء لطيف، وبجمهور جميل، إنما إذا خطر لك خاطر التعرف إلى خصوصية صور المغنية (أميمة) وحماسها أو لاحماسها في أداء (الصولوهات) الخاصة بها، فانس الفكرة، واعبر إلى غيرها: لن تظفر، وأنت في أصفى حالات إصغائك، بصوت البِنَيَّة؛ لأن المسكينة، وقبل أن تهم بالغناء، يعترضها تصفيق هستيري حتى آخر جملة لحنية، صوت أميمة الغارق وسط صراخ وتأوهات النسخة المعدلة من سِمِّيعَة البلاط الأموي كفيل بفضح القشرة. ما الذي يفسر سلوكاً من هذا النوع.

ببساطة، تحوَّل المقام بلحظة من مقام تلقِّي إنتاجٍ فنيّ إلى مقام انكشافِ حالٍ ذكوريّ لا يتحمل استقبال صوت مؤدية دون أن يتهالك. معظم المبدعات، حال أميمة، محرومات من العلاقة الطبيعية بين نصوصهن والمتلقِّي، ناهيك عن النقد المنهجي، وبقدرة قادر، يتحوَّلْنَ هنّ أنفسهنَ إلى نصوص قيد التمحيص والنظر. حتى عند النزول إلى حوافّ النصوص بذاتها، ألا تلحظ الخيط الرفيع الذي يغزل مِيس الاستعجاب؟!.

ليس متوقَّعاً من القوارير الظَّفَر بأيّ جوهر ولا بأية رؤيا متجاوزة. هي سلسلة الحرمان من رافد الانتقال بالتجربة والخروج بها إلى النضج مع الزمن وازدهار الخبرات. لماذا؟!. لأن الشرط مختلف، والعلاقة تميَّعت وأعيد صبّها في القالب الأول. وتدخُل تجارب معظم المبدعات في هذه المحنة؛ باختلاف أشكالها وتمظهراتها، والنتيجة: الحرمان من النسق الطبيعي للتجريب الإنساني، وتشييد نسق خاص على مقاس الهشاشة الافتراضية للإنتاج الإبداعي أنثويّ المنشأ. هناك حقيقة أخرى مؤلمة؛ إن الظلال القاتمة التي تحجب المبدعة عن تجربتها لا تسقط كلها من مهبّ الآخر، تسهم المرأة وبدرجة كبيرة في ترسيخ حظوظها السالبة، ولا أستثني نفسي، إن التغيير وجهة مفاهيمية قبل كل شيء، ولا يجب انتظار أية معجزة، إنما قراءة شجاعة للواقع، وتسمية الأشياء بأسمائها، ثم معاودة إنتاج وعي معافى من أمراض النفي وازدواجية الرؤيا، الفصام الفكري والقطيعة المستترة بين وجهة المفهوم وتجليات السلوك اليومي. مازال بانتظارنا الكثير.

حقائق بصرية:

التشكيلية (أميمة حسب الرسول) تقول: إن فكرة استخدام المرأة كموضوع للإبداع فكرة شائعة جداً في شتي ضروب الفنون وتدخُل ضمن العادي والمألوف؛ ليس فقط باعتبارها جزءاً من الحقائق البصرية والموجودات المرئية، وإنما لاحتفاء الفنانين (المبدعين) بها على مَرّ العصور، فكانت هي الملهِمة والباعثة المحرضة على الإنتاج الفني وقد صوَّرَها الفنانون في أشكال وأوضاع مختلفة موثِّقين لأدقّ ملامح وتفاصيل حياتها.

ربما لا نستطيع أن نستثني فناناً في تناول هذا الموضوع، لكن هذه الفكرة قد تأخذ خصوصيتها عند بعض

الفنانين سواء أكان ذلك من حيث التركيز على المرأة كموضوع جمالي أو من عظمة وقوة وشهرة الأعمال المنتَجة مثل (الجيوكندا) أو (الموناليزا)، أشهر ابتسامة في العالم، أو كما يسمِّيها البعض ملهمِة عشَّاق الفنّ لـ(ليوناردو دافنشي)، أيضا لوحة (بيكاسو) (المرأة الباكية) تعكس انفعالات المرأة ومعاناتها وتعبِّر بعمق عن حجم الألم والحزن.

نماذج:

وتستطرد أميمة: كما ذكرت سابقاً، معظم الفنانين تناولوا هذا الموضوع ونذكر منهم على سبيل المثال:

(أوغستين رودان) والذي كان مهتمَّاً بجمال المرأة يقول: (حين أرسم امرأة فإنني أكتشف عندئذٍ جمال الأواني الخزفية اليونانية).

(يوشوا رينو لدز): مصوِّر المرأة في الحياة نال لقب أشهر فنان يعبر عن المرأة والطفولة في بريطانيا.

(جويا): الأسباني الذي عبَّر عن المرأة العاشقة والمتحدية.

(تولوز لوتريل): الذي تناول موضوع فتيات الليل ليعبر من خلاله عن الجانب الآخر من البريق العابر وومضاته السطحية ويغوص في أعماق النفوس البشرية التعسة.

(فان جوخ): فنان الإنسانية والذي يصعب التحدث عن الفن دون ذكر اسمه أو التحدث عن علاقته بالمرأة في حياته وأعماله الفنية والذي حين رسم لوحة (الحزن) كتب تحتها (كيف نسمح بأن تكون هناك امرأة وحيدة تعيسة علي الأرض؟!).

(ما يكل أنجلو) منحوتاته (عذراء السلم) و(العذراء الحزينة).

(هنري ماتيس) (امرأة أمام خلفية شرقية) و(امرأة تعترف).

(بول غوغان): نساء تاهيتي.

(إدوار مونيه): أولمبيا.

(ديلاكروا): امرأة وببغاء، ونساء جزائريات: هذه بعض الأمثلة ولا يسع المجال لذكر المزيد.

إثبات ذات:

أما بخصوص الجزء الثاني من المحور (المرأة كذات مبدع) فتقول: أكَّدت المرأة دورها في الفن التشكيلي من خلال ما قدَّمته من إنتاج فني سواء أكان عالمياً أم داخل السودان، وهناك الكثير من الأسماء النسائية في هذا المجال، نذكر منها: بربارا هيبورث، إنجي أفلاطون، ديما حجَّار، شلبية إبراهيم.

ورائدات التشكيل النسوي السوداني: أم الخير كمبال، كمالا إبراهيم إسحق، نايلة الطيب. حالياً توجد حركة

 تشكيلية نسوية نشطة تقودها جمعية التشكيليات السودانيات.

بالطبع لا يمكننا تحديد صفات إبداعية نوعية خاصة بالجنس الأنثوي في الإنتاج التشكيلي إذا تعاملنا مع الفن كمحاولة للتعبير عن القيم الزمانية والمكانية ضمن إطار جمالي عام، لكن وجود المرأة في مجتمع يكرس لأحادية الجنس المبدع وتعاني فيه المرأة من التمييز النوعي. يدفع بها إلى محاولة إثبات ذاتها من خلال إبداعها فتعبِّر أعمالها عن انفعالها بواقعها ورغبتها في التحرر من الموروث الاجتماعي والثورة على واقعها.

لماذا أكتب:

أما الكاتبة (رانيا مأمون) فتقول: يسأل الكاتب أو الكاتبة نفسه أحياناً: لماذا أكتب؟. ما الجدوى من ممارستي لفعل الكتابة؟!!، قد لا يجد أحياناً إجابةً محددةً لهذا التساؤل الفاضح، الذي يفضحه أمام ذاته. وقد تختلف الإجابة من كاتب إلى آخر حسب صِدقه مع نفسه ومدى تعريه أمامها، وبالطبع لا يعني هذا عندما ينتصب السؤال فارغاً أمامه ولا يجد إجابةً محددةً، إنه متجنٍ عليها، مدعياً إياها. بل قد يكون أقوى سبب لانعدام

الإجابة أن الكاتب يكتب من أجل الكتابة نفسها، وهذا قمة العشق، فهو لا يتخذها وسيلةً توصله لغاية. لا يتخذها معبراً يوصله لمتكأ، بل تكون هي الغاية، وهي المقام الدائم الذي يقيم فيه ويمارس حياته داخله بمتعةٍ وحبٍّ وصدق، ثم تتسلل ثمرة هذه الممارسة الكتابية إلى الآخر، وتختلف عندها درجة قبوله أو رفضه لها. كان هذا مدخلاً للموضوع الذي بين يدي، أردت من خلاله تعميم السؤال: لماذا أكتب؟؟ ومع أن الموضوع شاملٌ لكل ضروب الإبداع إلا أنني سأخصص حديثي عن الإبداع الكتابي أولاً.

 مواقف ازدواجية:

لماذا تكتب المرأة؟، السؤال بسيط قد يطلقه بعفوية ودون أية نية مسبقة أياً منا، لكن اجابته واسعة فضفاضة متشعبة، تمتد إلى نقطة متقدمة من العمق في ذات المرأة الكاتبة. وإذا حاولنا أن نعدد الأسباب التي تدفع المرأة إلى أن تمسك بقلم وورقة وتتخذ قرار الكتابة في لحظة صدق، أو ضعف، أو بوح، وقوة، أو جنون أو لحظة احتشاد فكرة معينة وتناسلها في الذهن لدرجةٍ يصعب معها السيطرة عليها وحبسها داخل أروقته. فإننا بتعدادنا هذا لن نصل إلى إجابة نهائية نضع بعدها نقطة وتكون مقنعة بالنسبة للكل.

وتستطرد رانيا: تختلف دوافع الكتابة من أنثى إلى أخرى، قد تعبر عن رأيها، لحاجة داخلية تطرح فكرها للآخر، تتبني قضية، تدافع عن رأي، تؤمن به، ويشكل قناعاتها، اتخاذها لموقف تحاول تبريره، تعبر عن مكنونات نفسها، تشرع أبواباً للحوار مع الآخر، تخاطب ذاتاً أخرى عن أحاسيسها ومشاعرها، وقد تبوح لأجل البوح نفسه، لذاته، تفرِّغ فيه وبه شحنتها المتجولة بين جنبات نفسها، تشعرها مثل الحصاة في جوفها، لاترتاح إلا بلفظها خارجها.

في السابق، كانت المرأة تحاول تأكيد وجودها في كل مشتقات الحياة، في الأدب، السياسة، العلم، العمل، الفنون، دورها في المجتمع وتحمل أعباء لا تقل بأيِّ حال من الأحوال عن أعباء الرجل. نادت بحقوق وخاضت معارك، جاهدت وناضلت وكانت قوية، جريئة، وهي ترفع وتشهر قائمة مطالبها في وجه الرجل وكان الوضع الراهن نتيجة ذلك. لن أقول أنه الأفضل، وليس مثله مثل، ولكني أقول أنه أكثر أوكسجيناً من السابق، ورغم هذا مازال خانقاً، تحاول فيه المبدعة أن تقول بعض ما تريد قوله بشكلٍ حذر، متلفِّت، واضعةً كبير حسبانٍ لنظرة المجتمع ورأي الآخر وفي أي خانةٍ سيصبُّ ما تقوم به!.

هذا يعيق مسيرتها، ويؤثر على عمليتها الإبداعية، فهي لا تستطيع أن تفرد كل طاقتها الإبداعية وتفتح مغاليقها. ولن ننكر بالطبع هذا الرقيب الملوَّح بالجلد، الرقيب الداخلي والرقيب الخارجي الذي يلقي بظلاله على الداخلي ويفرض سطوته عليه، فيضع الأول حدوداً للمرأة المبدعة عليها أن لا تتجاوزها، ليس لأن هذا ما يريده أو يقتنع به، إنما للخوف والرهبة من الثاني. أضف إلى واقعها، ظرفها، وضعها الذي لا يتمفصل بالطبع عن الوضع العام. تختلف ماهية المتاريس التي تحدُّ من إبداع المرأة، أولها نظرة المجتمع الاستعلائية والاستصغارية للمرأة على العموم، والاستنكارية عندما نضيف إلى جنس المرأة كلمة (مبدعة)، ومواقف الرجل الازدواجية عندما يرى إبداعها ويعجب بمنتوجها وقد يعترف بينه وبين نفسه، أنه ـ إبداعها ـ تفوَّق عليه هو الرجل، وفي ذات الوقت يرفض أن تكون هي الذات التي أنتجت هذا الإبداع.

أيضاً نظرة المرأة من جنسها لها، عندما تستكبر إبداعها، وترى ببساطتها أن المبدعة أتت بشيء لا يجوز لها الإتيان به، وأنها بهذا خرقت مألوفاً، وهذا بالطبع لا يختلف فيه اثنان، إنه يعود إلى فرض السلطة الذكورية وتقييم المجتمع للمرأة الذي تجده بعض النساء أمراً مرفوعٌ عنه القلم؛ فتسلِّم به ظانَّةً أن هذه هي رتبتها المجبول عليها الوجود فيها، وهي بهذا تسهم في استمرارية وضعها ووضع المبدعة أيضاً.

ولن نفضِّل أن نضيف الوضع السياسي، فهو أيضاً يعدّ ضمن هذه المتاريس، وهو الذي حَدَّد للمبدعة الأطر التي لا يحق لها أن تتجاوزها وتخرج عنها. وغيرها من المحظورات والمناطق الممنوع الاقتراب منها على الدوام. هذا، وغير هذا الكثير، يكبِّل انطلاق إبداعها ويبتره لأنه لم يمكنها من الوصول في إبداعها إلى مداه.

 تحريك التاء الساكنة:

إذا اتَّخَذْنَا من المرأة، كذات مبدعة، موضوعاً، فلا بد من تلمُّس بعض ملامح هذه الذات. نجدها عميقةً في نظرتها للأشياء، في علاقتها وتفاعلها مع العالم الخارجي والعالم الداخلي، وتحاول الغوص أعمق في هذا الداخل. مختلفة في حساسيتها تجاه كل ما حولها، في فكرها، وعيها، في تلاقحها مع التيارات الأخرى التي تشكِّل حركة المجتمع الثقافية والإبداعية.

إن المرأة، كذات مبدعة، تحاول أن تكون فاعلة ومتفاعلة، تحب أن تنجز، وأن يرى الآخر هذا الإنجاز، وترسل في طيه رسالة مشفرة قد يكون محتواها: (أنا هنا)، أو (ذي أنا)، أو (هذا ما فعلَتْه يداي) أو (يمكنني أن أكون الأفضل)، أو (أنا أيضاً يمكنني أن أسهم في الحياة بغير شغل وظيفة الزوجة أو الأخت والإبنة فقط).

قد تقول؛ يمكننا أن نتساوى في الهامات الإبداعية، أو قد تقول فيها للشقّ الآخر المكوِّن للجنس البشري: (نحن الاثنان ندير عجلة الحياة ونحفظ توازنها، إذا غاب أيٌّ منها اختلَّ التوازن).

المرأة المبدعة لا تنطلق من خواء، أو علي سبيل التجريب، أو لرغبة المغامرة، إنما من شيء تملكه وتعي أنها تملكه ولا تريد أن تستأثر بما تملك لوحدها، أو قد يكون ما تملك متمرداً، ثائر في دواخلها، أو يريد أن يطرح نفسه كتجربة جديدة متفردة ومختلفة، أو لأنه أكبر منها متجاوزاً لها كذات مبدعة، وهذا لا بد أن يظهر ويفرض نفسه مهما كانت محاولاتها هي نفسها لإخفائه أو محاولات خارجية لوَأْدِه.

في عموم كل ذلك، المرأة المبدعة حاوَلَت وتحاول، برغم معاناتها، تحريكَ (تَاءِ)ـها الساكنة وتفعيل وجودها، وإن كان ذلك في مساحة لا تزيد عن الثلاثمائة أو الأربعمائة متراً مربعاً، بل انطلاقاً من هذه القطعة السكنية المسماة منزلاً إلى مساحات أوسع وآفاق أرحب نحو تحقيق الذات.

Share