أوكار الحَيْرة

نصوص
ناجي البدوي

·   يَفتحُ الأفقُ قميصهُ أمام لوعةِ الحبر، المأخوذ بهمس الزَّهراتِ المنقوشةِ على صدرِ ذلك الأفق العاري ويتبادلانِ سطوع الأمل. فأرتجعُ كبريت هَوَانٍ – هُوَ في فصاحتهِ خَدَرٌ حميم، يقترحُ ممكنات الإنْرآء: خارج سلطةِ ما يَتَسلَّلني عبر فرجةِ الرؤيا من بُحران. أستلُّ شجرةً صغيرةً من أنفاسي، وأدفعُ بها إلى فم البياض الجائع. البياضُ ذو الشهوات التي يتعقبها لسانُ الحبر ويهذيانِ داخلي. تستلقي الكتابةُ على كفٍّ تشبهُ كفي، لاعقةً حلمةَ أسئلتها غير المُروَّضة، فيطيشُ معنىً ما، ملاكماً خيال العمى ذي الكُرَّاسات الموحشة والسَّهر. أتفقدُ نوايايَ في حلمٍ يَتَمدَّدني منذ الدخيلة المعلَّقة: دخيلةُ اللُّعبة، فترتخي قبضتهُ عن تلابيب المشكل المتجذِّر داخل ((أفعال. حيوات. عياء. عراكات وحنين)) الكائن. يفتحُ أفقُ الكتابةِ قميصهُ أمام الحبر الملوَّع ويصيخان للثرثرة الرّهان.

 ·       القلقُ حُداء السؤال.

 ·   في غلالةٍ القلق، ثمةَ النَّقاوة التي تمتدُّ إليكَ طباقاً خالياً من اليأس: العالم مُنجَذِباً إلى مُحايثةِ سؤالاتك، التي تطلقُ على ما ينتهبُك من ألم، شوكَ الخيانةِ والخذلان الحميمين، إذا ما ساورك يقينٌ ذات وهن، أو مزَّقك شكلٌ ذات بكاءٍ مَنْتوف. فَيَرْقُصُكَ سطرٌ قَرَّصهُ ليلُ مكابدتكَ أمام عتبةِ النّسيان. 

·       في المحبِّةِ الأثيرةِ أستقبلُ الكتابة، دافعاً عنها ألسنةَ بوَّابات تقودها الأشواق.

 ·       الحيرةُ شهوةٌ. نعم. الحيرةُ شهوةُ الإجتراح.

 ·   يَذبلُ في أشدِّ مُعضلاتهِ سطوةً السرُّ الموزَّعُ داخلِ سهرِ ما يرفضهُ من سهولةٍ، تلوِّثُ حواف الذاكرةِ وأيامها. فتحتفل دخيلةُ البياض: بياض الورقة/ بياضُ الذَّات، برضاعتها التي تلوّنُ خرائب الروحِ بالبهاءِ الليّن: بهاء الكتابةِ الحبيب. فيما يتكوَّرُ يأستئذٍ ما يسردُ لمرِّةٍ حادِّةٍ، بعثرة الشرِّ على بناتِ إطراقاتهِ السِّاحرات. الإطراقةُ بعثرةُ السرِّ ونفيه.

 الإطراقةُ لغة.

 ·   في الذي ينجزه الهذيان من حيرةٍ ورحيلاتٍ خفيّةٍ، داخل كرَّاستة الكيان تَتَراقصُ ريشةُ الكتابة على مقربةٍ من عضلةِ الخيال التي تتقصَّى دهانها: دهان المخيلة المحارب، ويوزعان أدوار السَّهر فيما بينهما. السَّهر على نقش المعرفة فوقَ كفِّ السؤال. السَّهر على امتلاء أحدهما بأنين الآخر، حتى الكأس الأخيرة من الألق.

 ·       ثَمَّةَ ما يجمعُ الذَّات ليشظِّيها. باحثاً عن ما لم يُرى: ما لم يستطلع. ثمَّةَ ما يدفعُ الذَّات لأن تهتبلَ لذَّة الإجتراح.

إنه الحبر.

إنه سؤال الحبر.

 ·       بهاءٌ منسيٌّ يُلقى خارج ذاكرةِ السُّهولة، فيما يئنُّ ليل اللُّعبةِ تحت ثِقَلِ شهواته المعلقة، على نصال التأريخ ذي السراويل القصيرة.

الكتابةُ بهاءٌ يلطِّخهُ حنين ما إلى البياض وغزواتهِ / غربتهِ.

 ·       اللغةُ شك.

الرغبةُ سرنمةٌ ليّنةٌ تبوسُ خفقانَ ما يمزِّقك، بُغية أن تنزَعَ معناك.

الكتابةُ شروخ.

الكتابةُ تعفنات عزيزة.

الكتابةُ أوجاع عافيتي.

الكتابةُ زهرةُ كائنيَّتي.

الكتابةُ ترنيمةُ أعضائي.

الكتابةُ تميمتي.

·       ((ما الشعرية؟!))

أهيَ الكيان مشغولاً بترتيب / بعثرة عتمته؟

أهيَ طراوة جسدٍ يتمددُ أمام أحذيةِ النسيان؟

أهيَ أن تخلع نعليك أمام  الليل وتغتسل؟

أهيَ الطعام والسفر والسرنمة؟

أهيَ التحفّز الدائم لغسل مؤخرة العالم بالبياض؟

أهي أن تتسرَّب إليك المحبة / الكراهية وتتسرَّب إليها؟

أهيَ أن يضع الهواء قبلةً على خدك ذات وهن؟

أهيَ أن تقطع ميتاتك سرنمةً؟

أهيَ مجاسدةُ التيه؟

أهيَ شخيرُ المعنى؟

أهيَ المياه – فيك أم الألم؟

                                                                                           ناجي البدوي

يونيو 2000م

Share