قصة قصيرة عودة الفراش

نصوص
 زكريا آدم احمد (ود الخضر)

بألوانه الجذابة وتشكيلاته الدقيقة وحركته الدؤوبة، شكلت عودة الفراش لديارنا بعد انقطاع دام خمس سنوات حدثاً شغل الناس فترة سمعنا خلالها روايات وأساطير وأقاويل أقرب للتطير.

كغيره كان صغيري احمد ذو الأربعة أعوام أكثر الناس انشغالاً بعودة الفراش. رأيته يوماً يجري ويصرخ “توقفي.. توقفي”، كنت حينها أحلق في لحيتي، لمحته خلال المرآة يجري بلا هوادة يمنة ويسرة، كنت مرتاحاً لما يقوم به لأنني اتفادى الإجابة على سيل اسئلته التي لا نهاية لها.

بعد عناء طويل وجري شمل جميع أرجاء البيت جلس صغيري جوار الزهور التي فرغتُ من سقايتها قبل حوالي ساعة من الزمان، كان يجلس خلفي وكنت حينها انتهيت من الحلاقة وتفرغت لمتابعته، كان يبدو في منتهى التعب والإرهاق، ورغم ذلك فهو ما زال مركزاً بصره على الفراشات الطائرة، فتراه مرة يتطاول في جلسته ومرة أخرى يستدير ويضحك، ومرات تبدو على وجهه ملامح الحسرة واليأس حتى تخاله يبكي، جلس فترة حتى زال الظل عن مكان جلوسه، وبدأت حرارة الشمس في الارتفاع تدريجياً، نادتني والدته سائلة عنه، أجبتها بألا تشغل بالها.

بعد أن زادت حرارة الشمس واختفت الفراشات جاءني يفرك عينيه وكأنه استيقظ من نومه تواً، وبصوت يكسوه الحزن قال: “لقد فاتوا”، فتظاهرت بعدم معرفتي لما جرى: “مُنُمْ الفاتوا؟” بالطبع لم يعرف اسمها فقال لي: “الحاجات الطايرة السمحة”، قلت له: “الطيور؟” أومأ برأسه نافياً، ثم أردف “حاجات سمحة مرات بتكون كبيرة ومرات بتصغر”، حاول أن يرسمها في التراب فأضحكني كثيرا وحينما عجز عن تلك قال لي: “باتر بتدي” قالها هكذا بلغته المتسكرة وكان يقصد “باكر بتجي”.

وفي صباح اليوم التالي استيقظ مبكراً، وبدا واضحاً ترصده الفراشات، حمل عصا ووقف عند الزهور وأمرني باستعجال سقايتها وإخلاء المكان، فاستجبت. طال وقوفه ومل الانتظار وتضجر، ناديته محاولاً تخفيف عنائه لكنه لم يعرني اهتماما. فجأة.. صرخ: “بابا.. الحاجات السمحة جات” ومن فرط فرحته كاد يطير معها، بعد أن نزلت مجموعة من الفراشات على الزهور جاءني مسرعاً، وبصوت هامس حدثني أن أذهب معه لأرى الحاجات السمحة، حينما اقتربنا منها أمرني بالتوقف ثم بدأ يمشي بخطوات كمن يريد الغدر حتى توقف عندها، لم تطر أي من الفراشات، وبهدوء تام وضع عصاه جانباً.. ثم فجأة!! طار وارتمى على الفراشات ثم صاح.. “قبضتها”. لم يدر حينها أنه قتل ما يحب، ولسوء الحظ اصابه احتراق فتشوه وجهه ويداه ومن يومها صار يدعى فراش فأصبح اسم “الحاجات السمحة” ملازماً له مدى حياته.