Electrophoresis

نصوص
رندا محجوب

*

تَدَخَّنَت دَرَقِيَّةُ الإحراج بنقصٍ في متوازياتِ الأضلاع التاهئةِ في جَحْشِ الحياة، بنقصٍ في الأوركسترا المختومة بحرائقِ النقل التعريفيَّة، بخطوطِ الصباحِ معقوفاً باتِّجاه إعصارٍ مَلِك، في باديتهِ الخمسة والحزين.

الثالوث الشخصيّ المُحلَّى بمعيارية الخطأ، يَنفَدُ من عنقوده الظلُّ والغَضَب، يسفُّ جحيماً يسفُّ مضيئاً ذلك الخَطفُ الفانوسيُّ في الغرفة الحقيبة ترعفُ من سقفها أعناقاً محزَّزَةً بالحبِّ يَضفِرُهَا غطاءٌ خفيفٌ على سطح الجزع: صحوُ نومِ غُول.

في الاستيقاظ، تواجه اليوم يَعرِجُ باختلاله في الأيضِ، وتعرجُ أنت في غرائبية ألم/ لذة رضاعتِهِ منكَ، ترى كتاب الليلة الماضية في أحضان حبوبةٍ قديمةٍ سافرةٍ تخرجُ من فمها طيورٌ وحشيةٌ تتدافع في طريقها إلى الحانة، والحانةُ مقفلَةٌ بجمرِ القصاوة، في التفكير والذاكرة وسيفٌ يسقطُ على عنقٍ بدافع الكسل.

تقول الأجمل جثةَ الغريقِ تَحمِلُ النَّهرَ إلى الفيضان، الأجمل قضمة يرتكبها الرضيعُ للثَّديِ السجَّان، الأجمل بُرهةٌ تُحدِّب الوقت، الأجمل شرراً من بوابات السكينة، الأجمل قلبكَ يقفزُ على عُطبِ المظلة والنَيل بالخطأ. ولكن قطعان الإحراج في الظل الصَّمَد، تتطاول على نباتِ الفم في الكلمة ويسد أوهام القناة بميكانيزم مدبرس. لحظ يم. حنينُ اللئيم للآخرة. فمي ذاك أعلى النخلة بالكهرباء تستعاد، فمٌ آخرٌ على الضفة يُختَنُ بالوراء. مَنٌّ وظنٌّ على الطلاء. شكسبير بالحجامة. وكلامٌ يعتَّلُ في مَرَقَة الكواكب، تقلّبات الحوالم في شياط الأيفوريا كلما يَغرِفُ العالمُ من بحيرة الكولا اللاَّحمة.

وفي ظلمةٍ يلجُّ مركب بحيرةِ الحمَّى. من تشريع القربان أعلاها، سفحت أدناها. أينما يشيرُ هذا التبرقعُ فهو ضامرٌ عن مقاييس الحالة، وهو حاملُ بُرعُمِهَا تُسقِطُهُ في أوانِهَا، في طيَّةٍ تَغمُرُه كُحلاً أسوداً من لوازم الدارين، لكن ذلك مغلوبٌ ومتزحزحٌ فاحذر تخزه بالسبابة، أو تنقع وجهك بالبشكير الصدئ من وحشته. أو تفرش سجدة الصيد: عينان من النظرة وغيِّضَ الصوت. أدري. تُحَاوِل. ولكن تَلعبُ ذبائحٌ في نطقك، وكنت دونها بزفراتٍ تكحت، بزفراتٍ أف، بزفراتٍ ترسلُ أجنَّة التورمات الخبيثة في ساس العلاقة، والمشهدُ دائخٌ في تبَّانة من البذرة والنارجيل والأسمر الأسيدي وقنَّاصي الشفة. والذي ينكأ البرطمان يرقصُ في مشهدِ الجوع الشَّبِع، وقيل الشَّبِق، ولكن هذا من صميم كل مشهد، فوَجَبَت الصَّافِرَةُ ما قبل القطار.

 *

في رَحَى جَالِبِ النوم تسمعُ جِدَالَ الكارثة. في أخطب النَّسمَةِ إيعازٌ مشَّاءٌ بتَهَتُّكِ هذه الطحالة الناعمة من همالات الحياة في التصور. تشهدُ فيها الكتابة كجلطةٍ منسيةٍ على حريرةٍ مباغتةٍ محنَّطة. تقمِّع أصابعها بغرغرينةٍ مُسكَّرةٍ، وها ترقص خلفَ النقمة بأطرافٍ مقيدةٍ لأوجها بالبتر. الكتابة، وكتابةٌ لحينها تَنبَدِعُ في أغوار الذات المدبرة، تَحمِلُ عاهةَ براءتها كضاخمٍ بركانيٍّ ضائقٍ في جانبِ الصَّدرِ ضِدَّاً ورعايةً في فورته. يندرج تحت نزوتها أساطيلٌ من لهجة النَّصل المحلية ترسفها بأذرعٍ وتتغاشاها متململةً. وتتفاوت. إنها في شهوةِ مَن قَتَلوها، ترفعُ وجهها عن خُصَلِهَا. تتشرَّب إسفنجة الوَصل. مَيلَةٌ على سطحٍ بحسبانٍ لا يملأ ولا يفرغ وليس حصيلة الكَشْطِ والسُّقيا. تجري عليه ما جرت عليه الطرقعة في خطِّ مليئات البصر. الهبوط، محكٌّ جاهرٌ أيضاً، لكنه يُباغِتُ التحديق أو يتوه في مَحضِهِ، أعني لولا صعوبة عفوية هذا الانزلاق، يقول إيكو في اسم الوردة (إكشط الهرطقة تجد تَحتَهَا الجزام). وأقول :سَمُ الكاتب يُدخل الكاتب. وأقول حينما العالمين غير، غيريتي في البطء. وأقول: البهو يلحس البهو، وكذا يطقُّ نخاعه وينطق.

*

إن ظاهرة الثنائيات بتجليها الأعظم: الدال والمدلول، وأقطاب الشعور، والمُدرك واللامنتهك وغِيْرُو ـ قد تُشكِّل المقابل التمثلي الورائي لظاهرة الاحتباس الحراري. إن ما تخلقه من التباسٍ يتدفَّقُ على هيئةِ تقطيعاتٍ فخمةٍ في بَدَنِ الثُّقبِ الملائم لمرورِ الأدبيات لهواءِ الحياة.

*

تحت ماهو طبيعي، قد يرفل الثوب الأكثر تطبيعاً، ولكنه ليس هو، وهو يُغنِي عنه، وهذا حداءٌ شائعٌ في عجائن السرد. أغلالُ الفكرةِ مفاتيحُهَا في تطبيعِهَا، وليس فَعلَنَتَهَا، لأنها حينها قد لا تنجو من تآويل النفسيّ وغيرو، ولأنها حينا لا مناص من الاحتفاظ بهيئة المسجون وإن لم تكن سجينة. مسألة الثمين لن تثير بعد الآن قيمة الجوهريّ، وبالميت كدا الأقل غطاءاً ـ لأنو لِوَاء التَّعرِيَة والتجريد ليس لواء جيشٍ لينهزم، ولو منتصراً، إنه لواء قداسةِ جيشٍ غير موجود. وقد يكون مخرَج عبر حشد الكراكيب اللازمة جداً. واحذر، سُلٌّ في الحذر.

*

قد تكون الكتابة بلاهية من أنصاف ذِكرها. توابعها. ثم تمطر أنحاءٌ عدَّةٌ في لستةِ السميات التي يتموضع عليها ذياك الموطن المجغرف أصلاً بجواهره من البقع، التاريخ، الصِنعه، اللز.. وما اشتبه من صنوف الجانبي والتواقع عليه. في البدء، باستثمارٍ سمينٍ من لاسلكياتٍ أنِفَه، غالباً ما تَمسَحُ بباطنها ثكلاها في اللياقة اللازمة لذلك. تمحو سوءاتها بالبطن، متجاهلةً الحية الغاشمة في العمى تحت أسفلتها. في الكتابة (القلب) مسخةٌ شعثاء بما لدنها من سطور، وماذا فعلت يداك بأفقِ الوأدِ مترامي الخيوط، ما بها انكتبت من خَفقِ أجنحتها لدنٌّ جاحدٌ يموِّهُ الأشكال في فَغرَتِهِ حتى لتسبّك وحشيته تكون قد أصبت حزنك في مقتلٍ بريالةٍ نضرةٍ على اللاحياد. عركت المر باللأمَرْ، وانجدعت في قشور المُضاع، أسنَّة من خزفٍ مدثراً بالتهشُّمِ من صياديهِ في الرنه. عاسفاً عن تصوره، تقعد لك في مشفطٍ أرضيٍّ تنهبكَ التشوهات الخُلقِيَّة للغذاء وديدان التورية، وكنت منهما في مشجب المداوي ظهر لَيلِهِ بالقتلات جميعهنَّ، يحكّ جلده بالضحك، مبقبقاً في شجاعة الماء الحي لسهوتك، ثم يظهر منحنى يسَّاقَطُ منحنياته يُقَلِّم أظافره بشفتين، ويطلق عدالةً غازيَّةً في هواءِ الإتاحة، أو سال ذلك حتى عمَّ تصوري ثقبٌ أسود، نفتضّه بآلياته، ينقضُّ من جديد بمارشال الرحمة. همزة عن السطر. تومضُ فوهة على حساب جاذبيتها. يومض مَسَدُ عملاقٍ بترفُّعِ الظلام، ثم ولتكاد تلمس وجهكَ فتجده وتلمسه فلا تجدها. أعني هذا وحمولة ذلك من ماء الغُسل بالضبط ما قبل الكفن. ونعنونها بقيتك حتى تخلق الزمن باتمامك إياها. نسحب غطاؤه قدميها ورأسها ثم البطن فينبلع مكان، ينبلع الغطاء، وفي قحف ذلك الفارغ تشهد هَيكَلَين يتعاطيان الزمن، مبتسمان بالضرورة. يشيعُ سِفاحٌ في عائلة المُعطى.

Share