فُوتُوغْرَافْيا

نصوص
رفيق فتحي

(1) أبِي، أيُّها المارة!

تتسلل في كل ليلة من جنبه، بعد أن تكون قد تأكدت من نومه، وتحرص أن تغطِّيه جيداً بخرقتهما البالية المليئة بالثقوب، تذهب إلى الجانب الآخر من الجامع الكبير المقابل لوزارة التربية والتعليم، الزقاق مظلم ومهجور، وقرب صناديق النفاية الكبيرة تجد رجلاً في انتظارها، بعد فترة أصبح يتبعها متلصِّصاً، وفي كل مرة كان يفاجئها وجه رجل جديد وجسد رجل جديد، وفي كل مرة أيضاً تقتلع نفسها بعد مناكفة ـ وأحياناً مشاجرة ـ كي تلحق بصلاة الفجر. ذات صباح، قرَّر أن يسألها عن أبيه، ضحكت وهي تقول: (انظر إلى هؤلاء ـ مشيرة إلى المارة ـ أيّ واحد منهم تختار؟!).

(2) رماد

كان يتدحرج بقوة وعنف؛ ككرة من الطين اليابس ذي القابلية الفطرية للتفكك والتبعثر، من قمة الجبل إلى أسفله، أبواق السيارات والزحام والضجيج أحالوه إلى كتلة من الجنون والغضب، أخرج من جيبه علبة ثقاب وسيجارة، جلس على الأرض في وسط الأسفلت تماماً وأخذ يدخن، جَمَع كل العالم تحت قدميه وأحرقه؛ ذَرَّ رماده في الهواء، ومشى ضاحكاً من كل شيء.

(3) اندثار

أيام العيد، يكتظ السوق حتى أنفه بالكائنات الحية واللاحَيَّة أيضاً. الآباء بأبنائهم وزوجاتهم. المتسوِّلون بأحلامهم الكسيحة والملوثة. النشالون بأطماعهم اللامحدودة. الأثرياء بنقودهم وعنجهيتهم. أما المرضى فبزكاماتهم وجراثيمهم. ذوي المآرب الأخرى والملِحَّة بعواصف حاجاتهم وعنفها. أما الفقراء فيأتون محمَّلين بأكياس أمانيهم المستحيلة.

لحظ شرطي أمن المجتمع، الذي لم يجد عملاً يقوم به هذا العام، أن السوق شبه خاوٍ إلا من قلة قليلة من الأقدام الطرية والناعمة، وعندما استفسر عن السبب أجابه أحد الباعة قائلاً: (الاقتصاد تحسن والأيدي أصبحت شريفة، والجميع قد تزوجوا، هكذا قالت الصحف!).

(4) تَواصُل

كانت ذات رغبة جامحة في التواصل معه والتعرُّف عليه، مسيَّجَة كالعادة بالمال والكثير من الأمور السطحية والمقرفة. أما هو فقد كان صاحب رغبة أكثر جموحاً في التواصل معها، تُوِّجَ ملكاً بين سياج الفقر، والأسئلة، ونفسه. وعندما سنحت الفرصة لم يكن ثمة ما يمكن أن…

(5) خروج متأخِّر

في إحدى المرات أحْكَمَ القضبان حول نفسه لمدة طويلة، وعندما أراد الخروج نسي أين وضع المفتاح، كانت تشاركه الحياةَ في ذلك المكان قطة هزيلة وعصفوران، وبينما هو في خضم بحثه عن نسخة أخرى، لمح الكثير من الأسى والتعاطف يشع من تلك العيون السِّت!!.

(6) سيرك

رأى فيما يرى النائم؛ أن حياة جميع الناس، بمن فيهم آدم نفسه، لم تكن أكثر من محاولة للعبور من خلال حبال السيرك وإن اختلفت أشكالها وأنواعها وحتى مستوياتها، مع اختلاف الأساليب طبعاً، ضحك عندما استيقظ في الصباح ووجد زوجته منهارة لأن راتبه الشهري لم يستطع رتق الثقوب التي تملأ رأسها.

(7) سهر

كان الشيخ جالساً على كرسيه ذي الثلاث عجلات وسط الأجساد المتناثرة هنا وهناك من حوله على طول الرصيف، بعضها يساوم النوم وبعضها يبحث عن اللذة على مرأى من الآخرين، بينما هناك سيدة تحاول أن تسرق طعام جارتها الذي هو نفسه جاء من فتات آخرين. رجال الشرطة منشغلون عند شارات المرور بتفحُّص هوية كل من يمر، فجأة يتحرك الكرسي ذي الثلاث عجلات تجاه العسكر، يسألهم الشيخ: (ماذا هناك، ماذا تفعلون؟!).

يجيبه أحدهم بتعجرف وسخرية ظاهرة: (ما الذي نفعله نحن هنا؟!، يعني أنت لا تعلم؟!، تعال؛ تعال إلى هنا، هيا أخبرني ما الذي أتى بك أنت إلى هذا المكان في هذا الوقت؟)، يتمتم الشيخ برأسه المطأطأة وبصوته الذي لا يكاد يسمعه الشرطي دافعاً كرسيه إلى الوراء: (وبرغم ذلك لسنا قادرين على النوم…).

(8) عُطْل

تَخْرُج من الحمّام، بعد أن تكون قد فرغَت لتوِّها من نسف جَبَل الغسيل الأسبوعي، جائعة وخائفة ومكدَّرة المزاج، ووحيدة، يطرق أحدهم الباب، تفتح له؛ إنه عامل سوداتل الذي ما يزال عامراً بالوسامة:

(هل الهاتف يعمل؟).

(نعم إنه، لا، لا، إنه لا يعمل، تفضل).

 سراً تجيبه بإجابة مغايرة؛ مغايرة تماماً: (نعم إنه لا يعمل، لا يعمل؛ منذ أن أصبح زوجي يهرب مني يوم الخميس، منذ أن أصبح يفضِّل عليَّ العمل لثلاث وَرْدِيَّات في اليوم، أرجوك أن تتفضَّل؛ أن تتفضَّل بالولوج).

 (9) تهافت

خَطُّ شِجَارِهِ مع نفسه دائمٌ ومستمرّ، خطيرٌ ومتعاظم. يقاطعه في نقطة ما، خَطُّ علاقته بالخارج، المتوتِّرة، الغاضبة، الرافضة، والمُحِبَّة أيضاً. كان مشغولاً بإيجاد مخرَج؛ حَلّ، عندما صَادَفَتْهُ في رصيف الحياة، وهي تمطر، أصبح كمظلَّتها الأثيرة، أو كمعطفها الشتوي، بينما كانت هي علكتَهُ المفضَّلة في كل الفصول.

(10) مَخَارِج

من عادة الحياة؛ أنَّ البشر يمانعون الموجَ خشية الغرق، فيتمسَّكون بالقَشّ، ولو رَمَى بهم إلى أي مكان: المغارة الموجود بها كنز علي بابا، سوبا أيام خرابها أو عِزّها، المجاري التي آوَت الوحش الذي سلب الجميلة روحَها، أو ربما شقَّة مصطفى سعيد، أو أن يكون المقام حيث الكهف والعنكبوت والحمامة والعقرب، أو أن يَرْمِي بهم إلى البحر الميت؛ حيث يكون النسيان نسياناً والهامش هامشاً.

(11) ….

في كل مرة، كغيره من البشر، يبحث عن المجموعة التي يُؤَالِفُها وينتظر منها أن تُؤْنِسَهُ؛ من كائنات القَشّ. ولكنه في كل كَرَّةٍ يفقد القدرة على التواصل والانسجام والمواكبة. فتتضخَّم لديه الأسئلة، وتتفجَّر الشرايين، وتحترق الأشياء، ويتملَّص من بينه دمه. وفي ليلة صيفيةٍ يَهْدِرُ فيها الحَرُّ ويفيض كنهرٍ يراهق في أحد بيوت اللهو، جرى الأمر داخل جمجمته المصنوعة من طحين القشّ، وأنسجته المصاغة من بقايا الشجر المضاع، كمسألة حسابية: (اتركْ هذه القَشَّة المقرفة لشأنها، فهي رفيقة التيار، واهبطْ إلى القاع، إلى قاع القاع. وعندما ينتصف النهار، ويَتَشَيَّأ الماء. أتْبَعُ زمرة المياه الخارجة، المهاجرة، أتبخر. ولأكن ما أكون).

(12) طاحونة

قبل الآن، كان راجعاً لتوِّه من رفقة رفاق عمره، وقبلها كان نائماً (نومة العصر)، وقَبْلَها كان في العمل، وقَبْلَهُ كان نائماً، وقبل ذلك يحاول النوم، ولكنه، كما العادة، سيستعصِي عليه، وقبل ذلك قام بواجبه الزوجي على أكمل وجه وبأتم الإخلاص، وقبل ذلك كان راجعاً من رفقة رفاق عمره.

تَدْخُل عليه ابنته المترفة بمشاعر الإجلال والتقدير المبالغ فيها، تضع أمامه كوباً من القهوة، وتنصرف كجارية، لا يُلْقِي لها بالاً، يمسك بكوب القهوة ويبدأ في الارتشاف، يمدد رجليه على المنضدة أمامه، يذهب في البعيد؛ البعيد جداً، ما يزال يجلس على حافة النهر، ما يزال شاباً مراهقاً، تخرج له سمكةٌ ذات ملامح غاضبةٍ ومنزعجةٍ ترجوه بأدب، نيابة عن أهلها السمك، وعن جيلها بالأخص، أن يكف عن المجيء؛ عن الغناء، وعن إلقاء الأمنيات هباءً على صفحة النهر، وأن يبقى حيث هو، بين الجدران؛ لأن ما يفعله مزعجٌ ومثيرٌ للاشمئزاز.

يشعر أن من واجبه أن يغضب، فيغضب، يقول: (ماذا تظنين نفسَكِ لتطلبي مني عدم المجيء إلى هنا، هل أنتِ

سيدة العالم؟!، هل أنتِ رئيس المجلس البلدي؟!، أنتِ مجرد سمكة؛ سمكة صغيرة لا أكثر ولا أقل)، ولكن السمكة سمكة حكيمة، حيث تحتويه وتنهي الشِّجَار بسرعة، تطلب منه بلطف أن يرافقها في جولة على النيل: تُعَرِّفُهُ بالموجة وهي صبية، تعرِّفه بها وهي شابَّة عَفِيَّة، وتعرِّفه بها وهي تموت، تعرِّفه بكل معاشر النيل وسُكَّانِه، ولا تنسى أن تُشير إلى العلاقات الخارجية لحضرة النيل، بذلك الضيف الجميل خفيف الظل؛ الضوء، ولكنها فجأة، ودون مقدِّمات، تسحبه بقوة وعنف خارج النهر، وترمي به على الشاطئ قائلة: تبقَّى لك الرّمل، عليك أن تتعرّف به بنفسك، فهو خارج نطاق معارفي!. يتمتم في نفسه بألم: (سمكة غبية، حقيرة، مجنونة، أنتِ وبنات الحي واحد في كل شيء. ولا يوجد بينكن أيّ اختلاف!!).

 (13) نسيج القبعات

(سوف أنهض الآن. لا بد أني مُفْلِح، قدَّامي طريق واحدة، ومن خلفي كانت الطرقات كثيرة، ومتراصَّة بعبث، وتداخل مخيف، لن أفقد فرصتي في النجاة). تلتئم آخر حبيبات نفسه المراقة بدماء قدميه، وتجتمع آخر ذرَّاتها المبعثرة، الضائعة، بذرَّاتها الأخريات، تتمايل القدمان كما يتمايل عودا القصب المتهالكان، العَطِشَان، لأيَّة رشفةٍ من ماء، ينهض، أخيراً، تفلح قدماه في النهوض، جسده لا يخلو من ارتعاشاتٍ هنا وهناك، وانتفاضاتٍ تظهر بين الفينة والأخرى. (سوف أتَّخذ لي موقعاً جديداً، يجعلني موازياً لكل ما يحيط بي، سأتَّخذ من الشجر المتكاثف من حولي صديقاً ودوداً، ومن حبيبات المطر مادةً للاستحمام، سأقتلع قدميَّ وأرتكب الخطوة التالية). يبدأ في المسير. من حواليه يرتفع حفيف أوراق الغابة المزدهية الآن بكل أشجارها، تندفع جداول الماء عفية، كصبيةٍ تلهو بين حدائق والدها، تحفُّها العصافير من كل صوب، تجترع الأرض نشواتها بحميميةٍ فائقة. يكاد يبتعد بخطواته بعيداً، ولكنه يصدُّ راجعاً حينما يتذكر أنه قد نسي قبعته ملقاةً على الأرض حيث كان. يعود إليها، يحملها عن الأرض، ينفض عنها ما علق بها من أتربة وأوساخ، يتأملها، ويداه تتحركان بطريقة تومئ عن استياء، يعتمرها على مضض وهو يعود إلى المسير. الخطوات تكتسب قدراً من الثقة والاتزان، والجسد يكاد يكون منتصباً، وإن بدا عكس ذلك. (ما زال هناك الكثير من المشاوير المهمة التي يجب عليَّ ارتكابها، لن أتعب سريعاً، لن أيأس، لن أخاف). تتعثر خطواته بحجرٍ قفز فجأةً قدّامه، ولكنه لا يسقط، ولا يعبأ به، يتحسَّس قبعته ويتأكد من وجودها وسلامتها ويعود إلى الطريق من جديد.

(قبعتك مكشوفة، ليس لها غطاء، ألا تخشى عليها من جنون الشمس، خطرفة الخريف، ونزوات الشتاء؟).

(لا أخشى ذلك، أنت تعرف أنها أكثر قدرة على التأقلم، وأنها بطبيعتها تحاور كل الأجواء).

(ولكنها لن تصمد، فصفحاتها مكشوفة، وحين تأتي الريح ستسـ…).

(أسكت. أسكت، لن تقتلع الرياح أيَّةً من صفحاتها، هي أرسخ مني ومنك، لنا الله، أنا وهي).

تتلاعب الرِّياح بأوراق الشجر المتناثر حواليه تلاعباً يثير في قبعته القلق، تتساقط جراءه بعض الوريقات الهزيلة والبضَّة، والمصفرَّة، ينطلق في طريقه لا عابئاً بها، ولا بصفحاتها التي تُقتَلَعُ من مكانها، يشعر بها تطير إلى أقصى اليمين وتعود بذات العنف إلى قلب اليسار، ورأسه يكاد يُشَقُّ إلى نصفين، وجسده يضطرب ويحتبس وينتفض، ولكنه لا ينفك يعود إلى استقراره، تمتدُّ بعض الأيدي لاقتناص صفحةٍ، أو تزييف سطرٍ، أو تغيير عنوان، ولكنه يقاتل بكلتا يديه، يضرب كل شيء: الريح، المطر، الأيدي، جنون الشمس، حتى يصل إلى جسره الخشبي الذي وجده قدَّامه أيضاً، فجأةً. (سأعبره وأكون قد قطعت ربع المسافة، لم يتبقّ الكثير، عليَّ اجتيازه).

(لن تستطع؛ فهو متهالكٌ ومليءٌ بالثقوب).

(بل سأستطيع، كثرة المشي خففت من وزني، وأنا الآن أكثر رشاقة).

(إن سقطتَ، ستجد أفواه التماسيح مشرَعة، فهي منذ الآن تتشهَّى جسدك، وبدأ لعابها يسيل، وأذيالها تَضْربُ الماء فرحاً).

(لن تهمني أنيابها في شيء، لأنني سأكون ساعتها مَن قرَّرَ كيف أموت، ومتى أموت).

(أخشى أن لا تسقط أصلاً، وأن تسقط القبعة، فلا تتمكَّن من الرجوع، ولا من التقدُّم، ستموت ساعتها ودون أن

تأكلك التماسيح، أليس كذلك؟!).

(سأعبر ولن أموت، ولن أفقد القبعة).

تعبر القدمان سُمَّ الجسر متراجفتين متهالكتان، كما يعبر الطفل أولى خطوات الحبو. ارتعاش كل خليةٍ من جسدهِ، تهتزُّ له كل جنبات الجسر، فيكاد يَسقط، تأتي الرياح عتيةً وقاسيةً تكاد تُفلت القبعةَ عن رأسه، والمشيئةَ عن خطوه، ولكنه لا يَسقط ولا يُفلت القبعة، يعبر الجسر مهيباً كما يعبر الأطفال أحلامهم، يتَّخذ مكاناً جديداً في الغابة المنسوخة عن سابقتها، موازياً لكل ما يحيط به من أشياء، مُقاطعاً إياها ـ أحياناً ـ عند تَلاقي الأرض بحبل الوريد. (لقد عبرت، نعم عبرت، ولن أسقط، ولم تسقط القبعة، أرأيت؟! سأُميتُ التماسيح جوعاً!، أين أنت؟!، لماذا لم تَعُد تتكلم؟، أين اختفيت؟!، لماذا لم تَعُد تزعجني؟!، يبدو أنه أنت مَن أكلته التماسيح، سأنزل الآن إلى وسط الغابة وأخلع قبعتي، سأُكرِمُهَا، وأحفر لها حفرةً بكلتا يديَّ، وقبل ذلك سأصلَّي عليها صلاة الجنازة؛ جنازة الشهداء، ولن أنسى أن أرشَّ على قبرها بعض الماء، وأنثر عليها الورود والأزهار، سأصنع لها شاهداً من شجر الغابة الذي أحبّ، وأكتب عليه اسمي، وأسماء كل من عرفت وعرفوني سابقاً ولم أعرفهم كما ينبغي، سأتخيَّر شجرتي بنفسي، وأصنع منها قبعتي القادمة، سأصنعها صفحةً صفحة، وخيطاً خيطاً، وأثبتها جيداً، ضدَّ الريح، والشمس، والأيدي).

يبدأ في ارتكاب أولى خطواته ما بعد الجسر، ولكنه يتذكَّر أنه لا يملك قلماً ولا محبرة، فيغرز، بكل جرأةٍ، أسنانه بين يديه، يسيل منهما حبره الذي يبغي وقلمه الذي يريد. (نعم كلما ارتكبتُ خطوةً سأحتاج أن أضيف خيطاً جديداً لقبعتي، لأجل الخطوة التي تليها، سوف أصنعها بعناية، وبنفسي).

(14) تعال يا، حبيبي

سيختنق عندما يبصر دموعه تتساقط على عينيه، حبةً تلو حبة، وقطرةً تلو قطرة، وهو يقف حيالها عاجزاً عن فعل شيء. سيجثو على قدميه راجياً من الله أن يرحمه، ومن الأرض أن لا تشربها، وأن لا تقبل عصارة دمه، فهو مصاب بالأنيميا، وسيموت إن هي فعلت ذلك، وعلى كل حال هو يشعر بالاحتضار. تَضْحَك عليه الأرض، وهي تردد بشراهة ودمامة مقولتها الأزلية: (أقْبِلي أيتها الدموع، تعالي أيتها الدماء، إلى أين تهربين؟)، ويسقط في فَكِّها صريعاً، يسمعها وهي تتلذَّذ بكسر آخر أضلاعه بوحشية، تقول: (سنجعل من هذه الرعشة خفقة، ومن هذه القبلة نوراً، سَويّاً يا حبيبي).

(15) نافذة

ظلَّ في المطبخ زمناً طويلاً، ليكتشف طريقةً يفصل بها الماء عن الشاي، أو الشمس عن القمر.

يرقص رقصاً شديداً وجنونياً عندما يبصر نافذة المطبخ مشرعة.

عندما يفيق من حلمه ذاك، أول ما سيفكر فيه هو كوب من الشاي، وبرفقة مَنْ سيقطع أوصال المساء، وورقة صغيرة يسجل عليها ملاحظاته ومشاويره الخائبة، وأحلامه الأخيب!.

(16) سقوط الأغنية

الأحزان كانت بحجم إنسان، لكن الإنسان بداخله كان ضئيلاً وصغيراً كقزم. ذات مرة اقتلع من سمائه أغنيةً، ورمى بها في جوف البحر وقعد خاوياً منها، جلس ينتظر أن ينبت برعم آخر في مكانها، ولكن هُوَّة الفراغ التي خلفتها الأغنية كانت تأخذ في الاتساع. يتَّسع ويتَّسع، حتى أصبح جسمه خفيفاً كفَرَاشَة، مع مرور الوقت كان يفقد الكثير من علاقاته بالوجوه والأمكنة، وكان الرَّمل يَسَّاقط من جوفه حبةً تلو حبة، حتى قرر أن يموت سريعاً وخفيفاً، وعلى غفلة من الجميع.

(17) سلَّم اللُّغات

تُرى مَن سيمنع أطفالَه ذات يوم أن يحاولوا مناطحةَ الدَّرَج، أو ملاعبته، أو القفز من فوقه طوال عمر الطفولة؟!.

يخرج إلى الشارع ليلاً، في جيبه بعض السيجارات، لم يكن يعلم بعد أنه لم يبلغ الدرج حتى الآن، كان نظيفاً 

ومهندماً ورقيقاً، أشعل سيجارته ودخل الحفل، عندما صعد أولى العتبات لم يجد أحداً يأخذ بيديه، ولم يكن يعرف بعد أن اللغة لا تؤخذ إلا عنوة وبالجهد الخاص. عندما بلغ العتبة الخامسة أخبروه أن لا يقرب تلك وأن لا يلمس هذه وأن هذه ممكنة لا غبار عليها، ولكنه عندما بلغ العتبة العاشرة لم يكن ممكناً إلا أن يقرب تلك ويلمس هذه وأن يهجر الممكنة.

لم يُفاجأ وهو يبصر الكلمات تسيل بين شفاهه وشفاه الحاضرين، كما الماء العكر بين جداول حيِّهم؛ أخضر وراكد ولزج، تَحُفُّه موسيقى الضفادع، في طريقه الطويل نحو مصبِّه العظيم، خور نصر الدين ومنه إلى نهر النيل!!

 (18) خُلْسَةُ الحَكّ

سيشعر أن يديه تأخذان في الحَكّ، وينفض قميصَهُ مرةً، وسروالَهُ أخرى، يتسلَّل إلى غرفته إذ يتسلل إليه الشعور بالخجل، يخلع ملابسَهُ كلها، تُرَى أين سيجدُ النملةَ أو الحشرة، أيَّةً كانت؟!، متمدِّدة على السرير؟!، أم عندما ينفضّ السامرون ويبقى برفقة أسرته يتدبرون بقايا الحديث:

(لم يكن هدراً مجيئها إلى البيت خلسة في آخر الليل؛ لإضفاء مسحة من الوضاعة على الأشياء التي فقدت لونها وطعمها، وأيضاً لقتل الحشرة أو النملة ـ أيَّةً كانت ـ ومعرفة موطنها بعيداً عن عيون العاطلين عن العمل، والباحثين والباحثات عن أي أمر مثير من أهل الحي!.

 (19) ملاعنة

ملاعنته للجميع لم يكن مصدرها لسانه البذيء، وإنما دماغه المهترئ. شفتاه جافتان، ورئتاه مليئتان برائحة التبغ وبقايا الكحول.

يجلس عند الأصيل بناصية الشارع على كرسيه الذي ورثه عن أبيه، تحت الشجرة التي زرعها أبوه، يضع قدماً فوق أخرى ويتفرَّج على نفسه، عيناه لا تخرجان إلى أبعد من رمشيه.

 (20) حُلُم الجَّدّ

قال له جَدُّه في حلم: عندما لا تكون الجرأةُ متاحةً على القدمين، تصبح أيسر على اليدين، وعندما لا تكونان موجودتين، تصبح الخطوة آيلةً إلى المنفى، واليدان غابرتان كحلم. وُلِدَ، ونشأ وترعرع كسيحاً، يفيق من الغفوة ليستجمع أطراف نفسه المبعثرة بين أوراق المكتب المكدَّس بالأوراق، في طريقه من السوق مشبعاً بالحنق والكبرياء المكابر، يسقط منه شيء ما خلال ثقب في كيس الخضار، ينبِّهه أحد المارة، يصيح بهم: (اتركه، اتركه، فهو كسيح، ألم يقل جدي ذلك!).

 (21) المرأة الضائعة

يقف قبالة نفسه: فتفجأه ملامح المرأة.

يقف قبالة المرأة: فتفجأه ملامح الغيمة الرَّاحلة.

يقف قبالة الغيمة التي عاينها وثبَّتها باهتمام: تتصدَّع المرايا، ويتساقط المطر متقطِّعاً، مرة بعنف وأخرى شحيحاً، وعبثاً يحاول أن يمسك بالمرأة.

 (22) حياة العالم

يقف الآن قبالة نفسه، عارياً، خالياً من بقايا أكذوبة هي الأخرى كانت عارية في عيون الشهود على مر الزمن، لكن للكذب لذة لاذعة تختفي وراء جسد امرأة صادقة في الأنوثة، وكاذبة في تعاطي الحياة، يخرج الآن، يجد العالم حواليه أكثر صدقاً من أي وقت مضى، إلا أن كل شيء قابع تحت الأنقاض، وبين الركام:

يجلس الآن فوق تَلَّة من الأشياء المكوَّمة فوق بعضها البعض، يسير على طريق ملأى بالأشياء المبعثرة، يلج باب أحد الأمكنة، غير الموجودة أصلاً، ما خلا الباب، يعبره، يجد الفراغ هائلاً، والأفق معفَّراً بالغبار، يخلع قميصه ويمشي 

 خارجاً، كسيحَ النفس، كسيرَ الهمة، سيجد حديقةً تحت قدميه، عندما يجلس على الأرض تعباً من طول ما مشى، ومن هول ما وطئت قدماه من الأشياء المفقودة والضائعة.

(23) وَجْه العالم

عندما وَطِئَت قدماه المشيمةَ لأول مرة، أيقن أنه سيصبح وحيداً منذها، وأنه سيمشي على ذات القدمين زمناً لا يعرف عدده من السنوات، وأنه سيخرج بعد قليل، ويعود في أحد الأيام دون أن يعرف أحد الميقاتين أيضاً. خرج. كانت صيحته إحدى ضحكات العالم اللافتة، والخَجِلة، خلف النقاب الذي يخفي وجهه. تساءل: (لماذا يخفي العالم وجهَهُ تحت نقاب؟، هل وجهه قبيح إلى هذه الدرجة؟، أم هو جميل حد إشعال الفتن؟! أم هو بلا وجه أصلاً؟!). ترك حِجْر أُمِّه، وخرج إلى الشارع يأخذ رزقه من اللعب، كان بادياً للعيان أنه ثقيل النفس، بطيء الحركة، كثير الفُرْجَة، تترقرق في عينيه نظرةُ عابثٍ كبيرٍ، وشاعرٍ عَرِف قدْرَ نفسه وقدْرَ الحياة. رَكِبَ موج الطفولة، كان مراهقاً من طراز فريد، نَدَرَ أن يوجد مَن يختبرون ذكورتهم أو أنوثتهم بذات الطريقة؛ يقفُ قبالةَ الحياة، ويتخيَّر منها ما يشاء، دون أن يأخذ في حسبانه أيَّ شيء. يركب موج الطفولة. كان أن عَسُرَ عُسْرَاً شديداً وهو يختبرها، ولحظ أيضاً أنه نادراً ما يحدث أن يبادر أحدهم بدخول قاعة الاختبار. يجلس الآن في قاع محيط آسن بلا شعور بالوحدة، أو هو أخَفّ، محاولاً إعادة ترتيب العالم، وتقليم أظافر قدميه، ونَفْض ما علق بهما من أتربة.

كان وجه العالم قد أصبح أكثر وضوحاً وتبرُّجاً، وأقلَّ شأناً وإثارةً للأسئلة من ذي قبل.

(24) خفقة الموت

سطحُ اللوحةِ كان خشناً، وحركة اللون عليها كانت بطيئة، وخالية من لمسات الإيقاع الطفولي المتقافز بنشوة، جلس على الكرسي، محاولاً الرسم، كانت يداه ثقيلتين بحيث عَسُرَ عليه رفعهما، كان رَفْعُ إحداهما يتطلَّب قدراً من طاقة لا يتوفَّر عليها الآن، تشمَّم بطرف أنفه خفقان الهواء، وجد الكثير من الطيور الميته تتساقط بين فراغات رئته وشعابها البعيدة، تفجأه بزعيقها المريب، وثقلها، وريشها المتطاير في كل زاوية وكل مكان، برائحتها النتنة، حاول أن يفتح بعض الثغرات؛ بعض النوافذ، لهواءٍ نقيّ؛ هواء يصلح للحياة، لكنه يفشل، يسقط مغشياً عليه من على الكرسيّ، سيشعر ببعض الأيدي الغليظة تمسك بجسده وتجري به مسرعةً على نقَّالة: المستشفى، الصراخ، العويل، والحوائط الرمادية، وتلك العيون المسيَّجة باللاشيء واللامعنى.

الفِراش مجلَّدٌ بقماش أحمر من البلاستيك، وكذلك الملاءة والوسادة والغطاء، باللون الأحمر أيضاً، لكن اليدين والقدمين سترتعشان مرة أخرى، نعم سترتعشان، ولو في خفقة الموت.

(25) الحقيبة

شأنُ الحقيبة من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، مُلِئَت باللاَّلوب، وحبيبات الوَدع وأقمشة الدَّمُّور، ثم قطع النقد المعدنية والمرايا وكرَّاسات المرحلة المتوسطة، مروراً بروايات إحسان عبد القدوس، وخطابات العشق الخفية التي لا يعرف كيف تصل إلى هذا المكان، ثم أدوات الميك اب وأرقام هواتف الصديقات والأصدقاء والموبايل.

(ماما، ماما، أنا عايزه الشنطه دي، دي تحفة، روعة، صيحة).

(لا، لا، لا، مستحيل).

(ليه يا ماما، أنا بِتِّك البِكْرِيَّة، بتَغْلَى عَلَيّ؟!).

(لا، ما بتَغْلَى عليك، لكن الشنطه دي شالَتا حبوبتي وأمي، وبعدين جيت شلتها أنا، وثلاثتنا كانت هدية زواجنا من أمهاتنا).

(طيب، والمشكله شنو؟!، أشِيلا أنا برضو، بتشوفي بَرَاك حا تعمل في صحباتي شنو).

تحمل الحقيبة، يُعجب بها أحدهم، وتعجبه حاملتها مع مرور الوقت، يطلب منها الزواج، يندلع كائن بشري بين أحشائها، كثير التململ، يركل، ويضرب، ويصفع، ولكن لا أحد يعرف لماذا!.

Share