مُعاصرةُ الخُلُودِ بِضَرْبَة

نصوص
مأمون التِّلب

نَتَّفِقُ عَلَى حَدٍّ أدْنَى مِنَ المُنَاوَشَة

أنتَ في الطَّرفِ السَّامي من المبارزة

وأنا في أَغْمُصِ التَّعبير عنها..

بيننا صَحراءٌ جَمِيْلةٌ بأذرعٍ كلها أقمارٌ وشَيَاطِين

بيننا سُيُوفٌ تتقارعُ في الهواء بلا محاربين

بيننا بئرٌ يُرمَى فيها بالجثث

بيننا دمُ الشُّجَيْرَات الصغيرة؛ دَمُ السَّراب.

 تقاربنا،

واحتوينا جرَّةً وُلِدت إثرَ مُلامَسَتِي لَكَ،

طَفرت امرأةٌ أخيراً، وصَدَحت بماءِ أغوارِهَا المتفجِّرة في كَلِمَاتِنَا لبَعْضِنَا

أيُّنا كانَ يَدَهَا، وأيُّنا كان دُمُوعَهَا؟

هل الطِّفل ذُو الشَّعر النَّاري يَسْتَطِيْعُ المساس بِوَجْهِ القَتْلِ الحَائِمِ بَيْنَنَا كَرَائِحَة؟

 إن الجَّوهر كَامِنٌ، وهو أنْت

وهو الحيُّ؛ أنْت

ونحنُ الغَافِلِيْنَ عن تَبَلْوُرِكَ الْمُفَاجِئ

حتَّى أن ملاحظة وجودك تَخْلقُ الْمَخَالِبَ الْمِسْكِيْنَةَ؛ الذَّاوِيَة باتِّجاه الصُّراخ

هل رأيت الغُرْفة التي حبستنا، وأخْرَجَتْ أبوابَهَا _كفِلِذَّاتٍ جَبَانَةٍ_ من جَسَدِهَا الحَيِّ

وكان أنْ حَطَّم الأبوابَ الكَثِيْرُ من الأَطْفَال النَّاريين

واندفعوا يَخْنِقُونَ أطيافاً خَلَقَهَا سَمَرٌ نَزَفْتَهُ من جرَّاء مُعَاصَرَتِكَ المؤلمة للعَالَم؟

قوائمٌ تنهبُ الصُّراخ؛

خيالٌ رِيحيٌّ يمرُّ؛ دوائرٌ من الأطفال تَتَذبْذَبُ من مَرْكَزِهِ،

ويا تُرَى، كم من الماء يَتَجمَّعُ عند ضِفَافِ الأفوَاهِ الصَّارخَة،

ويا ليتَ شَيْبَ الرِّمال المسكوبةِ على الألسنِ يَحْدودبُ قبوراً ومَجَادِيف.

 قَوَائِمٌ تَنْهَبُ الصُّراخ؛

السِّيقانُ الجَّمِيلةُ تَبْرُزُ من خلفها مَخْلوفةً فوق بَعْضِهَا البعض،

كَوَاكِبٌ من إشاراتٍ وفُجُورَاتٍ طيِّباتٍ، كواكبٌ تُنْتَهَكُ مساراتها الدقيقة دون أن تصطَدِم

أقْمَارٌ مُشَرَّدةٌ تَتَسَوَّلُ كواكباً في الانهيارات القديمةِ للشفاه الصَّارخة.

منَ الأكْوَانِ الجبَّارة على لَحْمِ سِيَاجِهَا وحُدُودِهَا،

من الدَّمعات البُسْتَانِيَّةِ في شُرُوقِ بَوَّابَاتِ الظَّلام من القَبْضَة،

مِن تَحَوُّرات العَيْن على جَوَاهِرِ التيجان العَاكِسة،

من مُرَاقَبةِ فَيْضِ ألوَانٍ بَخِيْلٍ يَأكُلُ الهَوَاءَ؛

تَنْبُعُ الكَيَانَات الصغيرة مبتلَّةً بالمذابحِ الدَّوارة

تتضاربُ مصالح الأيام عند لقاءٍ سريٍّ لإناثٍ وذكورٍ في الصُّراخ.

 قوائمٌ تُكوِّرُ الأرحام للولادة

تُضعِفُ الوَتَرَ ليَنطُق

تجمِّدُ النَّار لتَحْرِق

تحرثُ الفضاء الليليّ بالغيوم

تُرغِمُ الجذر على الرقص فتتفتت تربة الأرض.

 قوائمٌ تركُضُ هاربةً من أفعالها أُفقيَّاً

حَافِرَةً في عَوَائِل الهَوَاءِ شَجَرَةً مَحْشُوَّةً بالخُلُود

صَفْصَافٌ مُرْفَقٌ بالبُطُولَةِ وانكِسَارَاتِهَا

شُعُوبُ فؤوسٍ ليس عَلَيْهَا أن تَضْرَبَ الشَّجرة؛

فهيَ تَنَفُّسَهَا؛

وجهَاتٌ تُؤشِّرُ إليهَا حَوَافُّ الأورَاقِ الَّتِي تُشْبِهُ الحَدَّ القَاطِع.

 مَسِيْرةُ الآلهة السَّاحِرَة في الضَّباب؛

تَجْرَحُ الأرضَ بقَبْرٍ،

تَتَنَاسَى حجم اللَّحْمِ الْمَدْفُونِ،

تَتَعْمَى عن جَفَافِ العُرُوقِ وانتفَاضَاتِهَا داخل التُّراب

تغارُ من إضاءة الحَفْرِ في السَّاعد المودِّع

الغموض الملتاث في مضغِ الرِّياح المستمر لفمِ وجسدِ وأضراس وعويل الظلام المتفحِّم في عين الجثَّة.

مسيرةُ الآلهة عبر الزَّمان

إخفاقٌ في تلمُّسِ الثياب الفضافاضة لأنوارها

تورُّدٌ متباكٍ على اليد الضَّارعة أمام تجاعيد المرايا

يا هيام الرموش في مضائق التجربة المريرة للدُّموع

يا بذور الخلاص المتسالخة في فضاء الصُّراخ

والقوائم مرتفعةٌ دون جسدٍ:

لا الحصان مبتوراً في مواضع الأجنحة

لا الثور الشيطانيّ المتواثب عبر الأنفاس المتلاحقة للخلق الخامد

بل خلقٌ متواترٌ للبثور على وجوهٍ لم تولد

وجوهٌ ولدت تُقهقهُ طيوراً تفرُّ من بين أغصان الشجرة الخالدة.

أذهانُ الجَّمرِ تُورقُ في البحيرات المهووسة عند القتل

تورقُ أشباهَ خياناتٍ وتقاطعات أماناتٍ مورَّثةٍ بالقهر

مثل موسيقى لا تُدركها الوساوسُ والكوابيس إلا لتحيا

كانت القوائمُ تحفر الماضي لتدفن برازها

تحفرُ الآتي لتنبش كل شيء

كل شيء في الأصل ليس بمنبوشٍ؛

عذريٌّ داعرٌ يتلألأُ في نهاية المحور المتناسل للعروش السَّماوية

يتداخل في الدَّكِّ المسالمِ لقبلةٍ تضمُّ رُفاتها وتنتحبُ في الطَّريق إليها وحيدة.

 أيَّتُهَا الجُّذور

أنت الشَّجرة

أوراقك التُّراب،

ولغاتك المندثرة مياهٌ تتمنَّعُ عليكِ وتتلوَّى بين ذرَّات التُّراب الثائرة.

ما يتصاعدُ منك

حريقٌ مأجورٌ بجذوعٍ وأوراقٍ مسمّاةٍ بلغطٍ

ما يتصاعدُ منكِ طيورٌ ستسكنُ وتتعلَّمُ الطَّيران اتِّقاء طوفانٍ موعودٍ بشكلكِ الحفَّار الفضوليّ.