هُوِيَّتِي هذه الرُّوحُ التي تَسْكُنُني

نصوص
عبد الغني كرم الله

عزيزي، محمَّد الربيع

ملاذي وأخي، الربيع، طبيبي، وحبيبي، سوف أتكئ عليكَ لأبكي، أيها الحائط الذي بكى عليه المهمشون!!.

بالأمس، الإثنين 13 يناير 2002م، أيضاً، وكالعادة، ذهبت لمعرض الكتاب الرابع عشر بأرض المعارض، عسى أن أجد كتاباً ينعشني، أو أجد أحداً يبث الروح في الجسد، هنالك بشرٌ مجرد رؤيتهم تعني الكثير، بل تُغنِي عن الكثير، فهم الكلمة الحية، الكلمة المؤثرة، (وخلَقَ الله الكلمة، والكلمة صارت المسيح) إن كلمات الله التامات هي البشر، إن كتاب الله الأكبر هو الإنسان وما تجيش به من حيوات،  (سَكِرَ الكون منها فتراه معربداً بالناس) هكذا يرى النابلسي البشر، مجلى للعربدة الإلهية، مجلى للنزق والشطح الملكوتي!!.

ولكني وجدت مجموعة أموات يحومون حول الكتب، أشباح تحوم حول فتات أفكار واهنة، دبَّ فيها عفن التملق والخوف وقصر النظر، لم أرَ في والوجوه روحاً أو هماً أو التزاماً، لم أر قارئاً صادقاً وحيداً، (لم أظهر في شيءٍ كظهوري في الإنسان) هكذا تقول الآية الجيلانية، ولكني رأيت كتباً تدخل سلالاً وأكياساً جميلة، ولم أر قارئاً واحداً، هكذا يقول حدسي الساذج، بطفولتي تكلمت مع مترجم بإحدى الصحف السيارة، يبدو معتدَّاً بذاته، أظنه يترجم بعض الكتب التي تنشر بالجرائد اليومية، وجدته كثيفاً مثل بيت شعرٍ مصنوع، وسألت أحداً عن موبايله، فردَّ عليَّ بصورةٍ ميتة، وضحكةٍ أعمق موتاً، ذهبت لحائط زجاجيّ لأرى شكلي، فقد يكون غريباً، ولكني وجدت هندامي مثل سائر المتجولين، أيُّ غرابةٍ في أسئلتي البسيطة، أم أنه الخوف، خوفٌ رابضٌ في الأحشاء، يكاد يفسد كل شيء، بل يقيناً، أفسد كل شيء، (الخوف هو الأب الشرعي، لكن معايب السلوك، بل لن يحقق الإنسان كمالاته وهو خائف)، هكذا يقول الأستاذ محمود محمد طه، بأي صورةٍ أو لونٍ من الخوف، حتى الخوف من الله، فهو يحب ويؤنس به، كنت أتوقع أن تستدرج حلوى الكتب النمل المبارك، النمل الجاد في خزن قوته، والباحث عن نفسه في خضم تشويهات الحياة، حتى فقدنا ذواتنا، وضللنا السبيل إليها، فبحثنا عنها في الآفاق، وفي التقنية، وفي الفضاء، وهي قابعةٌ بأحشائنا، كالعير في البيداء يقتلها الظمأ، والماء فوق ظهورها محمول، (سَيْرُكَ مِنكَ وصُولُكَ إليْك)، حتى الكتب كانت صفراء، ميتة، مزخرفة مثل أعمدة القبور، كل كلامٍ يقال، عليه صبغةُ قائله، هل القول هو ظلُّ الفعل؟، ولكن هل هناك سائق أظعان، حقاً الكون حائر، لم يبق سوى الأدب، الملاذ الأخير في غياب الفكر، أحسست بأزمة ذلك الإغريقي، والذي حمل مصباحه في رابعة النهار، بحثاً عن إنسانٍ تحكمه مشاعر الطفولة، طفل لم تفسده أنماط السلوك، وتفاسير الكون الباهتة، وإكراهات الثراث، والذي صاغ بماضيه الفائت كل حركاتنا وسكناتنا اللاحقة، عن إنسانٍ يبكي ويحب ويعشق بعفوية، يقود زمامه قلبٌ سليمٌ وعقلٌ صافٍ، عن إنسان يقيس البشر بفطرته، وبأنه غايةٌ في ذاته، الأهبل والمجنون والمفكر، غاياتٌ في ذاتها، تستلزم وتستوجب التقدير والتقديس والعطف والحنان، لا توجد فضيلةٌ (أعظم من الرحمة)، عن سيرةٍ وسريرةٍ واحدة، وعن مجتمع لا يطالبك بحسن السيرة، وسوء السريرة، وحين تفشي سريرتك، مثل محمد شكري، والقديس أوغسطين، وروسو، يتكالبون عليك، لأنك قلت الصدق، (الاستغفار أصدق الحديث). لقد خرجتُ حزيناً من المعرض، واشتريت كتباً لهيرمان هيسه، ويوميات نائب في الأرياف للحكيم، ومجلد لأنطون تشيخوف، وحين وصلت البيت، لا.. قبل ذلك، عند خروجي وجدت صديقي فخري، رجل جميل، يملك عبقرية كبيرة، وهي ضحكته، ضحكة لا تخرج سوى من طفل لم يتجاوز سبع سنين، ذو اهتمامات غريبة، يحب السيارات وعلم النفس و…، يسكن وحده، غرفته غير مرتبة ويعلوها الغبار، بل تكاد أن تحلف بأنها غير مسكونة أصلً، وكأنه قبيل من الجن، له إشارات ذكية، تعليقاته مثله، تحمل الكثير، وكأنه (عصير مركَّز) أو (حبوب هلوسة) أو (لحظة ألق خاطف) وكأنه يشم الدهشة في التعابير اليومية، يسكن داراً تفتح على خور، وحين تجلس بالداخل، وعند بوابة الخروج ترى منظراً وكأنك في قرية ساذجة على ضفاف النيل، فعلاً مسكن غريب، هل اختاره، لا أظن، ولكن غرابته هي التي تسيِّره، بيده ملكوت كل شيء.

المهم، رجعت من المعرض حزيناً، لأشياء عدة، لا أدري ولكني أحب الحياة، وأحب البشر الذين لا يشعرون بأنهم بشر، لقد نسيت، لقد قابلت فكري كرسون، التقيت به عند الدار المصرية، رجل لطيف ومهذب، خفف جزءاً من خوفي على نفسي، وعلى الحياة، وعلى الأموات الذين يقتنون الكتب بشراهة الحمير، وبالبرسيم المرصوص على الأرفف، وحين عدت إلى المنزل، أشعلت نوراً خافضاً، وفتحت كتاب تشخوف، وكأني فتحت أبواب المدينة الفاضلة، بضعة أسطر منه، وكأني أدخن الحشيش أو الأفيون، سَرَح بي بعيداً، سرح بي قريباً، في ذاتي، وفي أنفسكم أفلا تبصرون، أحياناً تراودني فكرة أن أعتزل الناس، أن أحمل إبريقي وأسوح في أرض الله، لا أريد وطناً ونضالاً وهوية ومزاجاً وتقاليد بشرية بالية، أهوى أن أكون مثل البحر والنهر والهواء والملائكة، هويتي قلبي وعقلي بين أضلعي، هويتي هذه الروح التي تسكنني،  هذه الروح القلقة، والتي تبحث عن شيء ما، عن هدفٍ، عني، عنها، عن حبيبةٍ ضاعت مني في زمنٍ ما، قد تكون في حيواتي السابقة، أو اللاحقة، فأنا لا أؤمن بالحياة المباشرة، هذه الحياة التي تجري أمامي، لأني أشعر بأني مأخوذٌ لحياة أخرى، حياة ثانية، قد تكون داخل هذه الحياة، أو فوقها، أو هي، ولكن ترسَّبت عليها صبغةٌ كثيفةٌ من التبلد، من الطفولة الشقية الكاذبة، (لا تتردد في أن تذهب بعيداً.. بعيداً إلى ما وراء الحياة). هكذا يوصي مارسيل بروست، أو الشجاعة وموهبة العمل، كما تقول نادين غورديمر، الجنوب إفريقية البيضاء النوبلية.

هل حدَّقتَّ في عيون عماد البليك، إنه خائف، قد يكون على أسرته في بربر، فهو البكر، هو الربّ، من عَنَتِ جَسَدهِ وعقله تذهب الفلوس إلى كفتيرتهم وحلَّتهم، وكهربتهم، وعلاجهم، وبطانيتهم، أم خائفٌ من الإطلاق، والسؤال القديم، (من أنا؟)، السؤال الذي التهم كل الأجوبة، وظل كما هو، جائعاً لأجوبةٍ جديدة، أَكَلَ السوسة والعافية مدسوسة.

يقال إذا أذنبت، فتطهَّر بالقراءة، أو بالكتابة، فالحروف الصامتة، الميتة تصرخ في ذاتك، بصوتٍ يزِنُ وعيك بك، ورحم الله ديكارت، فقد قال عنه بودلير، بأنه جعل العميان يبصرون، حين قال: (إنسَ ما شببت به من مفاهيم وآراء، ثم ألقِ نظرةً على الوجود، تلك هي نظرتك الشخصية)، فلا تناصّ، ولا تقليد، وتلك هي الأرض البكر، التي سار فيها الأفراد عبر تاريخ الإنسانية المجيد، وهم قلَّة، أكاد أحسبهم على أصابع يدي اليمنى فقط، يا ترى هل هم، سقراط، والمسيح، وموسى ومحمد ومحمود؟.

وأحياناً، أشعر بعقم القراءة، فعلام نقرأ، والكتاب الأعظم بداخلنا، ألم يستفز الحكيم سقراط حكماء أثينا، حين استخرج بأسئلته التهكمية الذكية، من صبيٍّ زنجيٍّ صغير، معارف هندسية مقعدة، أدهشت مهندسي اليونان، موقناً بأن العلم المطلق كامنٌ في القلوب؟، ولكن هل من مثير أو سؤال، أو جدوى أو منهج يحرك أعماق الأعماق ليستخرج هذه الكنوز الدفينة، (إقرأ كتابك، كفى بك اليوم حسيباً)، ألم يقل علماء النفس بأن التداعي الحر للأفكار لا ينقطع، حتى نلج رحم الأولى، بل نلج ما كان وما سيكون، (قُلْ سيروا في الأرض، فانظروا كيف بدأ الخلق)، إنها أمر كالصوم والصلاة، فسُنَّة النبي، وسنة بوذا وسقراط هي الفكر، الفكر الحر، من كل قيد أو شرط، حتى قيود الطبع والشهوات والنفس السفلى والعليا، فالقانون الطبيعي، والذي يهيمن على الحيوات والجماد، والذي سيَّر الكون منذ دهر دهير، هو العقل الكلي، العقل الخالي من الرغبة والهوى، فالمطر ينزل على الغبي والذكي، والحياة تسير في النور والظلمات، نحو هدف معين، نحو المسك، وما العقل البشري، إلا ظل،  أو قبس من هذا العقل الكلي الجميل الحكيم.

[تمنَّيْتُ على الزمان مُحَالاً أن ترى مقلتاهُ طَلْعَةَ حُرّ]،

لا تتوكَّأ على الحَوَاسّ…

فإنَّها أَشَدّ عماءً من جوفِ حُوتِ يونس

ولا على العقل..

فإنه أشَدّ تهوُّراً من هاملت

ولا على حَوَاشي القلب

فإنها كالأُمّ، تَغْمُرُكَ بحنانٍ عظيمٍ، تفسدُهُ أشواكُ الواقع.

ولكن في ذات القلب، في ذاتك، ما أنت طالبٌ، بلسان حالك ومقالك.

تاريخ الفطرة، أم تاريخ العقل، كارل بوبر أم الجيلاني.. أقرب إلى فطرتي ؟، أم كلاهما؟؟.

أخي محمد حبي، وشوقي، كما قلت، شايف الأخ عماد البليك حزين الأيام دي، عيونه تقول ذلك، بل أكثر…

    لك الحب

أخوك

            عبدالغني كرم الله