بعد عودته للبلاد: حزنٌ وفوضى وبعضُ عقلاء

ملفات ثقافية
    القاص مصطفى مدثر

حوار: مأمون التلب 

مصطفى مدثر من مواليد حي الهاشماب بأم درمان، عام 1949م، تخرج في كلية الصيدلة جامعة الخرطوم، في 1975م، ويقيم حاليا بأتاوا ـ كندا منذ 1999م. نشر أول قصصه، بعنوان “زينب”، بجريدة الناس في عام 1962م. في عام 1991، أصدر(بوابة قوس قزح)، مجموعة قصصية كنشر مشترك مع القاص حسن الجزولي، وله مجموعة قصصية بعنوان (حشرات الروح) تنشر في الشهور القادمة، حيث قام في زيارته هذه، بعد غيابٍ دام لأكثر من 17 عاماً بين القاهرة وكندا، باعداد الكتاب لطباعته، وشارك في ندوات وقراءات واحتفت الخرطوم بحضوره الذي لم يكن طويلاً.

لمصطفى مدثر العديد من المشاريع الثقافية التي يؤسس لها في الساحة الثقافية، كما أنه لم ينقطع عن النشر وكان ناشراً مواظباً عبر الانترنت ومشاركاً في حوارات عديدة حول قضايا هامة، سياسياً وثقافياً. الأحداث الثقافي التقت به في هذا الحوار.

إنطباعاتك وأفكارك عن السودان بعد غياب 17عام؟

أنت تتحدَّث عن حالة فدعني أصفها، في اليومين الأوائل سيطر علي حزنٌ وخوفٌ مبهم، لكن سرعان ما لفتت نظري حالة الفوضى. تأملت الفوضى واطمأننت أنه على الأقل يمكنك افتراض غياب جميع أنواع السلطات، ثمّ انتقلت أنا نفسي إلى حالة صنع الفوضى. خلال ذلك كله كانت هنالك أطروحة الثقافات تطلُّ برأسها من المقعد الخلفي (للركشة). تقولُ أختي لجارتها: (نِحنَ ثقافة ما عايزَة أتعشى دي ما عِندنا)، وهكذا؛ ثمّ ثقافة (الاسكراتش) و(الفيس بوك، Face Book))؛ (الفوضى المشار إلى صنعها أعلاه، تابعة لمسألة أن تكون أو لا تكون فيسبوك)!. خلال ذلك كله أيضاً، طربت وعادني ما يشبه الأفلام من مداولات الأسرة الممتدة حول من هو أحقُّ برفع الفاتحة معه أولاً، وفرحتُ لأنني أصبحتُ جدّ لجمعٍ غفيرٍ من الشباب.

وفي مسألة الغياب، هنالك غياب جغرافي وغياب وجداني، والأخير لا يخصني فأنا أعرف الآن ما ومن هو الغريب في المشهد الأمدرماني، بعد رحلة طويلة في جغرافيا العودة. وكم هو سّهل أن تمحو جلسة مع (ست شاي)، ومحجوب شريف أو صديق مدثر آثار ليالي الأرق الطويلة بعيدا عن الوطن.

الحضارة الغربية وحوارك معها؟

يمكن النظر لهذا الأمر من زاويتين. زاوية الحياة في مجتمعات الرأسمالية وزاوية إفرازات الحضارة الغربية.

الرأسمالية مهما تزينت فهي قبيحة وفجة وعدوانية حتى في تأثيرها على الفرد. فهي تتعاطى مع الفرد

بتاكتيكات التفريد والقنص وما أشبه ذلك بقانون الغاب. فكما تقتنص الكواسر الفريسة المطرفة تقتحم الرأسمالية المنازل لتعرض القروض على أبنائك الصغار مستغلة أية معلومات تتحصل عليها وفي ذات الوقت تتبجح بسرية وخصوصية المعلومات. وهناك جيوش من المهمشين وفقراء مخبوءة أحوالهم في عباءة بند الرفاهية.

أما إفرازات الحضارة الغربية ما بعد الحربين من حداثة ومابعد حداثة في الأدب والفكر والفنون البصرية فهي تجارب في الشكل والمضمون ترقى لأن توصف بالثورة على الأسس التي قامت عليها هذه الحضارة. ولنا نصيبنا من هذه التجارب في الشكل والمضمون حتى ونحن في وعثاء عالمنا الثالث.

في نص لي بعنوان “رؤى لا تطرف لها عين” تناولت موضوعة الصدمة الثقافية بالرفض من فهم أن الحضارة الغربية هي حضارة الإنسانية جمعاء. من ناحية أخرى فإن فكرة الصدمة الثقافية العكسية

لمن يزور السودان بعد غيبة هي فكرة مسلية تماما.

علاقتك بالسرد وأفكارك حوله؟

علاقتي كلها اختراعات وأحياناً اختلاقات و(طراطيش كلام). فأنا أحيانا أرى أن ما هو Non-Fiction لا يقل خيالاً عن الFiction والواقع قد يبدو أقوى من السريالي، وبما أن السرد القصصي يخدم الحبكة في النهاية، فيبقى الوصول للحبكة إما هو إستقصاد لها أو محض إلتفاف فاشل حولها. والمشكلة أنه عادةً لا يتم قياس الرأي العام في مسألة أيهما أفضل: السرد أم الحبكة، والقاعدون على أمر السرد (ناس الناراتولوجي) يفرحون بالحبكة، أي (كلٌّ بما لديهم فرحون)، قفزاً فوق ذلك؛ فإن السرد لديه مشكلة مع الحقيقة، فالجملة الإبداعية تحيلك إلى عالم آخر مصطنع وليس بالضرورة موازي للحقيقة. هذا إذا كنا نرى الواقع كمعادل للحقيقة.

السرد الإبداعي له لغته القائمة على صياغات أشبه بالتقريرية التي لاتفضي لحقائق وإنما لتكوين نزعة أو تجييش عند المتلقي.

هل ترى أن العمل الإبداعي يجب أن يبحث عن الحقيقة؟

يبحث عن حقيقته هو إذ أن الصياغات الإبداعية لا تؤكد أية حقائق واقعية وبالتالي لا تخضع لمعيار هذا زائف وذاك حقيقي. هناك إتفاق غير معلن بين الكاتب والقارئ مفاده أنك ياقارئ تقرأ عن واقع خلقته أنا الكاتب.

كيف احتفظت بالكتابة وسط الحيوات الأخرى، العمل والسياسة؟

أنا عموماً مقلّ، ولا أعرف إن كان لي قراء يطلبون أكثر من ما أكتب الآن، والحيوات الأخرى، وهو تعبير طريف، لي نصيبي من مباهجها؛ فمهنة الصيدلة مثلا فيها شيءٌ من ضرورة التواصل اللغوي، فإن كان لك أن تتحدث مع مريض فلك أن تتوقع العجب العجاب في الردّ وفصل الخِطاب.

سؤالك فيه إشارة لعامل الزمن، وبما أني لا أعرف رصيدي من الزمن، فليس هنالك ما هو خصمٌ على زمني.

من الطبيعي أن يبحث المرء عن نظرائه السياسيين خارج حدود الوطن ولكنني مشغول حقاً بقضايا الوطن وأركن إلى نبوءات التغيير بشكل يومي.

ماذا عن مشاريعك الحالية والمستقبلية في الكتابة والنشر والعمل الثقافي؟

هنالك مجموعة (حشرات الروح) القصصية، يجري العمل على إعدادها للنشر خلال الأسابيع القادمة، وهنالك مشروع (نَكْتُبْلَكْ)، وهو مشروع لنشر الكتابة المَنَاقِبيَّة، والكتابة المناقبية هي تعبير أورده الأستاذ عبد الله علي إبراهيم في مقال قديم له تتأسس عليه فكرة المشروع. وهي كتابة ضمن جهود التوثيق الواجبة ومؤكد أنها ذات منفعة كبيرة. فإذا تعذر عليك أن تكتب فنحن (نكتبلك).

من ملف صحيفة الأحداث الثقافي www.alahdathonline.com