حَوْل مَفْهُوم النِّسْويَّة والأُنْثَويَّة وَالأَدَب النِّسْوِي

مقالات
راشد مصطفى بخيت

يَعِدُ الغياب الواضح للأسس النظرية والكتابات المعبرة عنه، في مجال الأدب النسوي في السودان، ظاهرة تشير، في واحدةٍ من تجلياتها المتعددة، إلى مستوى الضعف الذي تعانيه الحركة النسوية في جوانب الوعي بترابطات قضية المرأة، في كلها المركب، مع واحدة من أكبر حلقاته المعبرة بوضوح عن مختلف الوضعيات التي تعاني منها المرأة السودانية، وهي حلقة الفن والأدب. على العكس تماماً من معظم حركات التحرر النسوي في العالم، التي انتبهت مبكراً إلى مثل هذا التعالق الحميم بين مفاهيم قضايا المرأة في علاقتها بالنوع والطبقة والعرق، ومختلف أوجه الاضطهاد الذي تعانية المرأة، وعن الأدوار التي يلعبها الأدب في هذا المضمار، بحسب أنه من أكثر الوسائل التثقيفية انتشاراً بين الأفراد والجماعات، وبذلك تؤثِّر كيفيات صياغته بالضرورة، على الصور التي يرسمها للمرأه في سياق انشغاله ببناء الشخوص وتطوير العقدة والحبكة والحدث. التي تفضي في نهاية الأمر، إلى إنتاج/ إعادة إنتاج العديد من الصور المتطابقة مع واحد من المفاهيم الاجتماعية السائدة عن المرأة أو التي، تجترح على الدوام، صوراً مفارقة لما رسَّخته بنية الوعي الذكوري في عقول المجتمع. وهي بهذا القول، تعد سلاحاً خطيراً ضمن منظومة أسلحة إنتاج القيم نفسها، فربما ساعدت الرواية أو الشعر أو المسرح، في رسم صورة محددة للمرأة، تتطابق أو تختلف مع مفاهيم قضايا المرأة نفسها، كما رسم الشعر السوداني من قبل، صورة محددة لـ(مهيرة بت عبود) اختلفت عن مجمل الصور التقليدية في العقل الذكوري، واستطاعت في ذات الوقت، أن تنفُذ إلى العديد من عقول أُخرى وعملت على إزاحة ما ارتسم بداخلها من صور شائهة ونمطية في أغلب الأحيان عن المرأة وعن وضعها الاجتماعي، وربما يتضح المثال أكثر في حالة استدعاء الصور المخزونة في ذاكرتنا الجمعية، من تمثُّلات الرسم الشعري الدقيق للمرأة في جانبه الأحادي عند الشاعر (نزار قباني) مثلاً أو غيره من الشعراء، بحيث تظل هذه الصورة الشعرية النمطية للمرأة في العقل الجماعي للمجتمع، أكثر نفاذاً وانتشاراً عن كل ما سواها من أنواع الصور الأُخرى المرسومة بواسطة الكتابات الفكرية أو السياسية أو غيرها من الكتابات الأُخرى. وكذا الحال مع مختلف صنوف الإبداع من مسرح ورواية وقصة وغيره، ومن هنا بالضبط، برزت فكرة وجوب وضرورة اشتغال النقد بدراسة مثل هذه الصور، من قِبَل ناشطات نسويات، وبيان أوجه الكيفية التي عبَّر بها الكاتب عن صورة المرأة في متنه الذي يعتزم رسمها فيه، وعن محايثته الفكرية للعديد من المفاهيم الأساسية في قضايا المرأة، فكان بذلك أن تشكلت وفق هذه الاحتياجات التي لا مفر منها، حركةً نسوية موازية لحركة نضال المرأة العملي في خضم مجتمعاتها المختلفة، عرفت في ما بعد بحركة (النقد النسوي). والذي اتسع لاحقاً ليشمل جميع الاتجاهات الفكرية لقضية المرأة نفسها في حيزها السياسي والفلسفي من مثل الاتجاهات الماركسية والنيوماركسية والما بعد بنيوية والراديكالية والليبرالية والبيئوية وحركات علم اجتماع المرأة وغيرها من التيارات والاتجاهات الأُخرى.

وقامت هذه الحركات الموازية بمراجعة، معظم الأدب العالمي بدءاً من (الإلياذة) لـ(هوميروس) ومروراً بـ(الكوميديا الإلهية) لـ(دانتي) و(فاوست) لـ(جوته) ومجمل أدب ومسرح (شكسبير) وخصوصاً مسرحيتاه (ترويض النمرة) و(مأساة عطيل). وتعرضت من بعد ذلك لدراسة مختلف أشكال التعبير عن المرأة أكاتبةً كانت أم موضوعاً للكتابة، وتبينت كيفيات هذا التعبير من منظور النقد النسوي. وتوصلت من بعد هذه الدراسة المضنية إلى حقيقة (أن الكثير من أدبنا في الحقيقة، يعتمد على إنتاج سلسلة من الصور الثابتة للنساء المقولبات، وهذه الأشكال التي أُضفي عليها طابع مادي، والقليلة في عددها إلى حدٍ مدهش، تتكرر مرةً تلو الأُخرى في الأدب الغربي، وتتضمن الصور التي أُضفي عليها الطابع الموضوعي شيئاً واحداً مشتركاً في أية حال: إنها تحدد المرأة بقدر ارتباطها بمصلحة الرجال أو خدمتها أو معارضتها لهم): ك.م نيوتن / نظرية الأدب في القرن العشرين / ترجمة: عيسي على العاكوب / عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية / الطبعة الأولى / 1996م / ص 279. وهي بهذا، أي هذه الحركات، عملت على إرساء أُسس جديدة لطرق تعبير العديد من الكتاب الأوروبيون وغيرهم إزاء صورة مختلفة للمرأة، مبنية على أساس هذه المفاهيم النسوية الجديدة، حيث تم الحكم على هذه النصوص ومؤلفيها، وفقاً لمقدار مسايرتهم للآيدلوجيا النسائية نفسها، دون أدنى اعتبارات للفصل ما بين المظاهر الجمالية والأخلاقية في النص الأدبي. ثم أردفت هذه الدراسات بعض هذه النماذج المقولبة عن صورة المرأة في الأدب الغربي وأوضحت أنها تميل (إلى الانقسام على فئتين، تعكسان الثنائية الثنوية المستوطنة في النظرة الغربية إلى العالم.

وترمز هذه المقولبات الأُنثوية إما إلى الروحي أو المادي، الخير أو الشر، فمريم العذارء أُم السيد المسيح، صارت مع مرور الزمن، تمثل الحد الأقصى في الخيرية الروحية، وحواء زوج آدم هي الأكثر شؤماً في مادية الشر، ويمثل الرسم التخطيطي التالي كيف تتصور هذه الثنائية:

 مادي/ روحي                       

الجسد/ الروح  النفس

موضوع الجنس/ المثل الأعلى العذري                 

حواء/ مريم

المغوية/ الوحي

الخير/ الشر

وتحت فئة مقولبات المرأة الخيِّرة، تجيء أولئك اللاتي يخدمن مصالح البطل، فهناك المرأة الصبور والأم والشهيدة والسيدة. وفي الفئة السيئة أو الشريرة، هناك المنحرفات والمرأة العانس والأم المتسلطة أو المستبدة والزوجة المتمردة والسحاقيات). نفس المصدر / ص280.

وفي خضم هذا المسير العاصف لحركة النقد النسوي من بعد، كان من الضروري أن تنشأ بعض الخلافات في مفاهيم ومصطلحات النقد النسوي، بحسب اختلاف المرجعيات الفكرية والفلسفية لجملة المنتمين إلى صفوف هذه الحركات نفسها بتياراتها العديدة، فبرزت بعض الاختلافات المفهومية في مدلول المصطلحات التي تصف هكذا كتابةً، خصوصاً في حقل الدراسات الأدبية في الوطن العربي. فتداخلت الرؤى والمفاهيم حول تسمية هذه الدراسات نفسها، وبرزت مصطلحات (الأدب النسوي) و(الأدب الأُنثوي) و(النسوية) و(النسائية)، كمصطلحات تميز الانتماء والفوارق ما بين تيارٍ وآخر في صفوف هذه الحركة الكلية.

 وفيما يلي نحاول استعراض بعض آراء رائدات هذه المجالات النقدية، ومحاولة التفريق فيما بينها من حيث أرضيات المفاهيم التي تنطلق منها، وروافدها الفكرية، بحيث أن هذه التحديدات المفهومية نفسها، وعلى ندرتها الفائقة في بيئتنا النسوية السودانية، أفرزت في الكثير من الأحيان خلطاً معرفياً في أُسسها المرجعية وخلفياتها النظرية، وأصبح النظر إليها يتم من موقع تقسيم الأدب على أساس الهوية الجنسانية لمنتج النص (رجل/ امرأة)، وهذا خطأ فادح يختزل جملة مجاهدات هذه الحركات النسوية في دراسة الأدب وفق هذا المنظور السابق ويعمل في ذات الوقت على إعاقة اندماج المرأة في المجتمع، ويكرس لاستمرار وضعها القائم في هذه المجتمعات، وهو خطأ يعود، حسب تقديرنا، إلى غياب مثل هذه المصطلحات ومفاهيمها الفلسفية والنقدية، في ساحة الدرس النسائي السوداني، مع ملاحظة أن العديد من الدراسات التي أُنجزت في هذا المضمار، هي دراسات كُتَّابها من الرجال في العديد من الأحيان، ذلك لأن حركتنا النسوية نفسها، ربما لغفلةٍ منها، لازالت غير مكترثةٍ لأثرِ مثل هذه الوسائط في التأثير على وعي وديناميات تفكير المجتمع الذي تنتمي إليه. رغماً عن أن بعض الحركات النسوية في العالم تتعامل مع هكذا كتابة على أساس أنها صدرت عن عقل رجل! وينبغي مراجعتها!.

(توزعت مواقف المرأة/ الكاتبة من مصطلح (الكتابة النسوية) على ثلاثة مواقف: أولها الموقف الرافض كليةً له، وقد تميز هذا الموقف بالسرعة في رفض المصطلح منذ بدايات طرحه للتداول، بسبب الحساسية الخاصة التي ولَّدها عند الجيل الذي استطاع أن يكرس حضوره الابداعي وشهرته الأدبية، كما هو الحال بالنسبة للأديبة غادة السمان، على الرغم من كون الشهرة التي حققتها جاءت من خلال أعمالها التي عبَّرت عن تمرد المرأة على الواقع الاجتماعي والثقافي القائم، وعلى سلطة المجتمع الأبوي وتقاليده المتخلفة، التي تحول دون تحرر المرأة وانطلاقها، وتعبيرها عن ذاتها ومشاعرها وهواجسها، حيث لعبت المرأة دور البطلة في قصصها وروايتها المختلفة، وكانت واضحة في تعبيرها عن قهرها وعذاباتها، وتوقها وأحلامها، واكتشافها لجسدها): مفيد نجم /الكتابة النسوية، إشكالية المصطلح والتأسيس المفهومي لنظرية الأدب النسوي/ مجلة نزوى العمانية.

وهو وضع، نَدَرَ أن تكرَّر حدوثه مع معظم الكتابات النسوية اللاحقة لغادة السمان في الثقافة العربية، والتي اتسمت معظمها باستبطان صورة القهر والدونية وتسليع الجسد حتي بين سطور كتابتها نفسها أو بالمغالاة في السير على خطى الرجولة نفسها في تمثل عدائي وتماهٍ مع سلطة المعتدي. راجع كتاب (أُنثي ضد الأُنوثة، دراسات في أدب نوال السعداوي/ جورج طرابيشي). أما (الموقف الثاني، تَمثَّل في الوسطية، فهو يقرّ من جهة بخصوصية التجربة التاريخية والاجتماعية التي عاشتها المرأة، وجعلتها أسيرة شرطها، ومن جهة أخرى يرفض أن تكون هذه الخصوصية نابعة من خصوصية طبيعية تلازم المرأة، وتشكل محددات للأدب الذي تكتبه. والموقف الثالث فهو الذي تلقف المصطلح، وراح يتبناه في طروحاته، ويدافع عنه محاولاً توطينه في الثقافة والأدب العربيين، ولكن من دون وعي نظري ومنهجي واضح ومحدد): المصدر السابق. الأمر الذي انعكس في الكثير من الأحيان على عملية استيعابه، ومعرفة حدوده الفاصلة له من جملة المفاهيم الأُخرى، وبالتالي أدوات تطبيقه في النص الأدبي وما يستتبع ذلك من كيفيات القراءة وآليات التأويل. ثم ظهرت من بعد ذلك اتجاهات أُخرى ولدت من حرفيات الترجمة عن اللغات الغربية مفاهيم أخرى مختلفة في ذات الصدد مثل مفهوم ومصطلح (الأنثوية) رغماً عن أن جميع هذه المصطلحات حبست نفسها في إطار ضيق المدى، بحيث أنها ركَّزت جل اهتمامها على قضية محاولة تسمية الأدب الذي تكتبه المرأة، وليس مضامين هذه الكتابات نفسها وطرق تماثلها أو انعدامه مع متطلبات النظر إلى قضايا المرأة في بعدها السوسيوفلسفي غيره، من منظور تجليه في حقل الثقافة واللغة والبيولوجيا والتحليل النفسي وما عداه من مواطن احتشاد النظر الذكوري ومبرراته، كما تفعل ذلك الناقدة (فرجينيا وولف) ورفيقاتها من رائدات الاتجاهات المابعد بنيوية في النقد النسوي. وقد رفضت الناقدة النسوية العراقية (نازك الأعرجي) مفهوم الكتابة الأنثوية لعدة اعتبارات، منها مثلاً أن (مصطلح الأنثوية في السياق الثقافي المصاحب له وخصوصاً في الوطن العربي، يلتصق بوضع معين للمرأة، ذلك لأن الأنوثة كمفهوم في هذه السياقات تعني ما تقوم به الأنثى، وما تتصف به، وتنضبط إليه. ولفظ الأنثوية يستدعي على الفور وظيفتها الجنسية، وذلك لفرط ما استخدم اللفظ لوصف الضعف والسلبية) نازك الأعرجي/ صوت الأُنثي/ دمشق/ 1997/ ص26 -31. وبناء على استخدامات هذا المفهوم في الثقافة والمجتمع العربيين، تدعو الناقدة إلى استخدام مصطلح آخر، هو مصطلح الكتابة النسوية، لأن هذا المصطلح حسب وجهة نظرها (يقدم المرأة والإطار المحيط بها، المادي والبشري والعرفي والإعتباري… إلخ؛ في حالة حركة وجدل) المصدر السابق ص35. لكن، وفي ذات الوقت، هناك العديد من الناقدات النسويات، يرين في هذا المفهوم ودلالته الكلية معانٍ أخرى إيجابية يستمِتْنَ بضراوة من أجل الدفاع عنها. ويمتد مجال الاختلاف والتباين في المصطلح إلى مفهومي النسوي والنسائي، فالدكتورة شيرين أبوالنجا في كتابها (نسوي أو نسائي) تطرح إشكال التمييز بين المفهومين منذ العنوان، وهي تطالب بضرورة التمييز بين مفهومي نسوي ونسائي عند الحديث عن الأدب الذي تكتبه المرأة، لكي لا يتم تصنيف ذلك الأدب على أساس هوية مُنْتِجِهِ الجنسية، ولهذا تلزم التفرقة دائماً بين نسوي (أي وعي فكري ومعرفي) ونسائي (أي جنس بيولوجي): ضمن مفيد نجم / مصدر سابق. وفي ذات الوقت تصف (ألين شوالتر) النقد النسائي، بأنه (يهتم أكثر بالمرأة من حيث هي قارئة، بالمرأة من حيث هي مستهلكة للأدب الذي ينتجه الرجال، بالطريقة التي تغيِّر فيها فرضية هذه القارئة الأنثى، إدراكنا لنصٍّ ما، وذلك عندما تنبهنا إلى مغزى أنظمته الشفرية الجنسية): ك.م.نيوتن ص 282. ثم تردف إضافةً إلى هذا القول، تحقيباً تاريخياً تحاول من خلاله التمييز بين ظهور مصطلحات (النسوي) و(النسائي) و(الأنثوي) بالاستناد على دراسة كتابة المرأة نفسها في عصور مختلفة وظروف اجتماعية أكثر اختلافاً، وتقسم مراحلها على النحو التالي (المرحلة المؤنثة والمرحلة النسائية والمرحلة الأنثوية، فإبان الأطوار المؤنثة، الممتدة من حوالي 1840م إلى 1880م، كتبت النساء في محاولة اللحاق بركب الإنجازات الفكرية للثقافة الذكورية، واستوعبْنَ افتراضاتها حول الطبيعة الأنثوية، والسمة المميزة لهذه المرحلة، الاسم الذكري المستعار، الذي دخل بريطانيا في أربعينيات القرن التاسع عشر. أما المحتوى النسائي للفن المؤنث، فهو غير مباشرٍ على نحو نموذجي، ومحرَّف، وميال إلى السخرية، ومدمر، وعلى المرء أن يقرأه بين السطور، في الإمكانات المفتقدة للنص.

في الطور النسائي من حوالي سنة 1880م إلى 1920م أو طور كسب حق الاقتراع، تتمكن النساء تاريخياً من رفض الأوضاع التكيفية للأنوثة واستخدام الأدب في تمثيل محن الأنوثة المظلومة.

وفي الطور الأنثوي المتقدم منذ عام 1920م، ترفض النساء المحاكاة والمعارضة معاً، باعتبارهما شكلين من التبعية، ويلتفِتْنَ بدلاً عن ذلك إلى التجربة الأنثوية بوصفها مصدراً للفن المستقل، حث يوسعن التحليل النسائي للثقافة، ليشمل أشكال الأدب وتقنياته. وتبدأ ممثلات الجمالية الأنثوية هذه، من مثل (دوروثي) و(رتشاردسون) و(فرجينيا وولف)، بالتفكير بلغة الجُمل الذكورية والأنثوية ويقسمن أعمالهن على الصحافة (الذكورية) والروايات (الأنثوية) ويُعِدْن تحديد التجربة الخارجية والداخلية، مضفياتٍ عليها طابعاً جنسياً): المصدر السابق / ص / 284.

 وتستطيل الدفوعات والمناهج التي تحكم عمليات التوصيف المصطلحي وحمولته المفاهيمية، من ناقدة إلى أخرى، ومن تيار إلى غيره، لتشكل بذلك إرثاً لا يمكن الاستغناء عنه في هذا الصدد، وحتى على اختلاف توجهاتة الفكرية وانحيازاته السياسية والمرجعية، فتعدد هذه المناهج، يفيد من ضمن ما يفيد، في إدراك الجوانب المختلفة لتمظهرات القضية في كامل أبعادها المكونة لها. وعلى هذا الأساس مثلاً تركز الناقدة النسوية الأمريكية (سيكسو) على أن الكتابة النسوية، هي تلك الكتابة التي (تتشكل في الثغرات التي لا تسلط عليها الأضواء من قبل البنية الفكرية الأبوية): يمني العيد / مساهمة المرأة في الأنتاج الأدبي / مجلة الطريق / العدد الرابع / 1975 / ص 19. والتي لا يستطيع منهجٌ واحدٌ استكشافها ومعرفتها داخل النص الأدبي إلا بالاستعانة بمناهج أخرى لغوية ونفسية وتاريخية وغيرها من مناهج الفلسفة والعلوم المختلفة.

يبقي أخيراً، أن نشير مع الناقد (عبد الله الغذامي) إلى أن النص النسوي، هو ذلك النص الذي يقتفي مسيرة النظر المرتبط بتحولات النظرية النسوية نفسها على المستوى الفكري ومداخله المتعددة، ذلك لأن هنالك كاتباتٍ إناثاً كثيراث كما ذكرنا (كتبن بقلم الرجل ولغته وبعقليته، وكن ضيفات أنيقات على صالون اللغة. إنهن نساء استرجلن، وبذلك كان دورهن دوراً عكسياً، إذ عززت كتابتهم قيم الفحولة في اللغة، ومن هنا أصبحت كتابة المرأة اليوم ليست مجرد عمل فردي من حيث التأليف، أو من حيث النوع، إنها بالضرورة صوت جماعي، فالمؤلفة هنا، وكذلك اللغة هما وجودان ثقافيان فيهما تظهر المرأة، بوصفها جنساً بشرياً، ويظهر النص بوصفه جنساً لغوياً): عبد الله الغذامي / المرأة واللغة / المركز الثقافي العربي / بيروت / 1979 / ص182. بل نذهب أبعد من ذلك لنقول، إن الكتابة النسوية بمختلف أشكالها وتعبيراتها المتنوعة، وتيارتها كذلك، يجب أن تنهض بالضرورة على مجموعة من القيم والمفاهيم التي تتعالق بالضرورة مع مفاهيم قضية المرأة في مختلف تجلياتها الاجتماعية الثقافية المتنوعة، وبهذا الفهم يصبح النص النسوي، حسب اعتقادنا، وبناءً على تلك المقدمات، ليس فقط ذلك النص الأدبي الذي يَصْدُر عن عقل إمرأة، وإنما ذلك النص الذي يتناول قضايا ومشكلات المرأة بشكل محايد وواعٍ بخصوصيات الظرف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمرأة، حتى وإن كان صادراً عن عقل رجل.