في مغامرة إحياء (البيت القديم)

مقالات
نسرين أبَّشَر

ثمانية أيام من الإنصات التَّام للجدران

نسرين أبَّشَر: الإضافة هي القدرة على استخراج فنٍّ من العدم

أن يصغُرَ العالم، ويتحدد ليصبح بيتاً قديماً، وتصبح حيوية هذا العالم مربوطةً بالمواد الموجودة داخل حدود هذا البيت فقط، لا شيء يأتي من الخارج أبداً سوى أذهان بخيالاتها القديمة وبأفكارها لتنفخ الروح مرةً أخرى في جسد ذلك البيت الكائن بمدينة أمدرمان، حي العمدة. الأمر وما فيه؛ أن فنانتين من قبيلة التشكيليين السودانية والألمانية، قامتا بإعداد هذا العمل العميق الذي نحن بصدد عرضه. استطعنا أن نلتقي بإحداهنَّ، وهي الفنانة نسرين أبشر، وتحدثنا معها قليلاً حول مشروع ورشة (البيت القديم) وعن علاقتها بالفنانة الألمانية آناليزا ليوبولد. المشروع الذي صاحبه بعد ذلك فيلم توثيقي عن حياة الورشة؛ مراحل عملها، مَن ساعدوا في إخصابها كالفنان التشكيلي (نصر الدين الدومة)، الحضور الذين انتشروا في أنحاء البيت المَبعُوث بعد افتتاحه حيَّاً.

عرض وحوار: مأمون التلب

المشروع عبارة عن معرض مختلف، بفكرة مختلفة، وهي استفادة قصوى من بيت قديم، هجره سكانه منذ سنوات، والفكرة كانت أن يعملوا على إحياء البيت عن طريق لغة الفن والخيال، أن يستفيدوا استفادة قصوى من المواد المتروكة والمهجورة في البيت، بقايا البشر، الأحذية و(السفنجات)، ذكريات أهل الحي عنهم، طريقة ومواد بناء البيت، والأهم؛ الاستماع للجدران كما ذكرت لنا نسرين في حديثها، إذ تظهر على الشاشة الأولية للفيلم كلمات حول المثل السوداني الذي يؤمن بأن الجدران تحفظ الحديث وتبوح به إن استمعت إليها. هذه هي المواد، وذلك هو العالم الذي خرج منها.

فتنة الذكريات والإنصات:

تقول نسرين أن الفنانة آناليزا ليبولد، حضرت إلى الخرطوم خصيصاً من أجل هذا العمل، وكانت آناليزا قد زارت البلاد مرة واحدة قبل هذه المرة، مُشَرِاكةً في ورشة بكلية الفنون التشكيلية والتطبيقية باسم (لغة الألوان) عام 2003م، وامتدت العلاقة بينهما عبر الانترنت طوال هذه المدة إلى أن التقيتا في هولندا حيث كانت نسرين تشارك في ورشة تشكيلية سنة 2007م واتفقتا على هذا العمل. كانت الفكرة أن يتم عمل الورشة في مدينة سنجة، باعتبار أن المدينة مليئة بالبيوت القديمة والمُلهمة بالنسبة لخيال فنَّان، ولكن آناليزا واجهتها مصاعب صحية منعتها من الذهاب، وكان أن زاروا هذا المنزل بالصدفة، وهو مملوك لعائلة الفنانة نسرين؛ وقرروا مغامرتهم هناك بعد جولة استكشافية. وكان عهد الورشة أن (لا مواد من الخارج).

تقول نسرين أبشر عندما وجهنا لها سؤالاً عن ما هو جديد في هذه التجربة بالنسبة لها من ناحية التقنيات والأفكار والمواد: (لم نأتي بأفكار مسبقة أبداً، بل ظللنا ننتظر المواد داخل المنزل أن تتحدث وتعطينا الأفكار، لمدة ثمانية أيام، وما أراه إضافةً هو هذه الخبرة التي يمكن أن أستخدمها باستخراج فنٍّ في صحراء قاحلة، من العدم، لست في حاجةٍ لأن أشتري مواد للعمل، ويمكن أيضاً أن أقبل على العمل بذهنٍ خالٍ من الأفكار وأنتظر أن تَلِدَ الأفكار ذاتها).

أخبرتنا نسرين أن الذكريات كان لها دور كبير في هذا العمل، فكانت آناليزا طوال أيام الورشة تسأل بتواصل عن (من كان يسكن في هذه الغرفة) (ما هي الأحداث الأكثر بروزاً في هذه المنطقة)، (أين كان يجلس النَّاس) _قالت نسرين_ تستطيع أن تشاهد ذلك في (ظلال على الجدران) حيث يظهر عدد كبير من الاشخاص في ساحة المنزل، وكنت أحكي لها أن هذا البيت كان محتشداً بالناس والزوار على مدار اليوم.

الوازا

يمكن ان تستمع ببصرك لآلة (الوازا) في الغرفةِ التي احتلتها آناليزا برسم عريض على كافة الجدار، رسم يبيِّن خط سير وتأثير الموسيقى الخارجة من آلة الوازا المرسومة في جهةٍ من جهات الغرفة، وتظهر على الآلة أصابع نحيفة لجسد مجهول متلاشٍ خلف الآلة، لا تستطيع أن تتبين ملامحه إلا من خلال الموسيقى الصادرة عنه، فهويته ضائعةٌ داخل فنِّه، كانت الموسيقى جسده وملامحه.

تحكي نسرين أن قصة هذا العمل أتت من ذكرياتها التي حكتها لزميلتها عن ساكن الغرفة، وكان سؤال آناليزا عن حياة والجذور الاجتماعية لهذا الشخص، وفي حقيقة الأمر أن هذا الشخص كان يسكن في الجزء المهجور من المنزل، وكان يعمل في تصليح (اللساتك)، وقد أتى من منطقة الدمازين وهي المنطقة المسكونة بأصداء الوازا وأحوالها.

آناليزا لم تمض الكثير من الوقت في زيارتها الأولى للسودان عام 2003م، ليس أكثر من أربعة عشر يوماً، استطاعت أن تحس في تلك الأيام أن هذه البلاد تملك إشاراتٍ فنِّيَّةٍ مميزة، أنها ستثمر لها مشروعاً وحياةً مختلفة عما عاشته في الماضي _تقول نسرين_ الحركة مختلفة في السودان، الناس وملابسهم، الوجوه والألوان. وعدتني انها ستعود، وأوفت بوعدها واكتشفنا سويَّاً هذه الأسرار. قالت لي أثناء العمل: (لقد عِشتُ حياتك؛ دخلتُك، ونظرت بعيونك للسودان، ورأيت عالماً مختلفاً). 

آناليزا ليبوند تخرجت من كلية (الآنوس) للفنون بألمانيا، وشاركت في العديد من الورش داخل ألمانيا وخارجها، إضافةً إلى معارضها العديدة ومشاركاتها المختلفة.

طبيب للقلوب فقط وكروت زواج أيضاً:

عكس المتوقَّع، لم يكن البيت القديم بخيلاً، بل تعامل مع مقتحميه الجَّماليين بكرم غريب، فكان أن وجدوا عدد كبير من كروت الزواج القديمة، الخاصَّة بشقيق نسرين أبشر، فكانت الثرثرة والحديث اليومي عرضة للتدوين بالرسم على ظهر كروت الزواج، كل حدثٍ يُحْكَى يترجمُ مباشرةً إلى ظهر أحد الكروت، فكانت النتيجة مذهلة: (حياة أفراد البيت، على لوحات صغيرة ومتسلسلة، مثَّبتة على الجدار الطينيّ!.

أما الطبيب، (فحكايتو حكاية): التلفزيون القديم المحطَّم وحيد في إحدى الغرف، وكانت الاستفادة منه مزدوجة: بشاشته تم تصميم عرض عرائس مكوَّنة من (شراريب) قديمة لتغني أكثر الأغني شعبيةً في المنطقة، جرى ذلك باستطلاع قم به الفريق الصغير، إضافةً إلى انتزاع أحشاء التلفزيون ليظهر أمامهم وجه وجسد شخص مجهول، خمَّنوا أنه طبيب المنزل، نسبةً للسماعة المتدلية من جنبه، فوضعوا قلباً صغيراً (كان علاقة مفاتيح) بجانبه، ثبَّتوه على الجدار، وقرروا أن الطبيب هو طبيب قلوب فقط، وكتبوا عليه تعليقاً غريباً، وهو أنه لا يستطيع أن يساعد كثيراً، ويشفي القلوب، لأنه مربوط بجمود إلى الحائط). تعليق ربما يجعلك تشك في أنهم لم يتدخلوا في مصير الرجل!.

الخروج من نفق العتمة:

يمكنك أيضاً أن ترى قصة مخلوقاتٍ غريبة التكوين؛ شائهة وجميلة وذكية، صِيغَ شكلها من (أكياس النايلو) المتوزعة في أرجاء المنزل المهجور، وبقليل من السلوك المعدنية، ترى قصة صراعهم مع العتمة المسيطرة على غرفة (نسرين أبشر)، التي نفَّذت هذا العمل، وكون أن الغرفة تحتوي على ثقبٍ نادر في الزاوية العليا من هيكلها، ثقب تتدلى منه شباك العنكبوت كأمعاء ضوئية، قامت نسرين بربط خيوط من أعلى هذه الفتحة، وانزلتها لتشبكها بأطراف تلك الكائنات البلاستيكية؛ ربطت نسرين الخيوط بمصير هؤلاء الصغار. الأمر يتعدَّى مجرد ربط، بل أن النحاتة نسرين استطاعت أن تجعلهم يتحركون بطريقة تبيِّن الصراع من أجل الخروج من نفق العتمة للضوء عبر ثقبٍ وحيد، وفي ذات الوقت، فإن اجسادهم المعجونة الشائهة توحي بحالة من اليأس الطفيف، ولكن إرادة عالية للخروج.

تقول نسرين عن عملها: (حاولت أن أعكس حالة تصيب العديد من البشر، وهي أنهم لا يستطيعون أن يجدوا حلاً لمشاكلهم وحياتهم، دائماً ما يكون البشري مشوَّهاً من الدَّاخل، بينما يمكنك أن تراه كاملاً سليماً من الخارج، حاولت أن أخرج هذا التشوه، لأنهم لا يستطيعون إخراجه خوفاً من إحداث خلل في المجتمع، إضافةً إلى أن هذه هي المادة التي كانت متوفرةً لدي، وهذه هي الأفكار التي قالتها المواد: السلوك والأكياس). 

نسرين تخرجت من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان عام 2006م، من الورش التي شاركت بها: (لغة الألوان)، و(البيت القديم)، كما لقيت اعمالها في معارض التخريج إشادةً واضحة، دفعت بمجلة الخرطوم الجديدة بأن تفرد لها صفحة كاملة لعرض اعمالها لأكبر عدد من القراء.