من داخل منزل المجذوب

مقالات, ملفات خاصة

عوض الكريم: تجاهُل المجذوب من قبل “الخرطوم عــاصمـــة للثقــــــافة”

 (في هذا الصالون كان جثمانه ممدداً وتم غسله فيه، كنا وقتها أطفالاً نحاول التسلل إلى هذا المشهد المهيب، لمحَتْنا أمه الحاجة القوية آمنة التي أشرفت على غسل ابنها بلا جزع، فانتهرتنا)؛ هكذا تحدث ابن المجذوب الصحفي والباحث المختص في تراثه الشعري عوض الكريم محمد المهدي المجذوب، وهو يصف المكان الذي كنا جالسين فيه بين كتب المجذوب وحياته ومشهد موته وأبنائه وأحفاده. استنطقنا ذاكرة الباحث فيه، والابن، عن المجذوب.

حوار: النشادر/التلب/ صلاح عبد الحفيظ 

 منزل المجذوب:

لم ينظر أي منا إلى السماء، لم يتبق لنا من النظر إلا الكثافة التي تشكل ترقبنا لما يمكن أن تكون عليه زياراتنا لمنزل المجذوب، بتلك النبرة الضيقة التي تشرق فيها الأسماء الصماء، نبرة النهار، طرقنا الباب إستقبلنا رجل بنظارات وإبتسامة وشبه أكد لي (أن هذا هو المنزل) قبل أن نفتعل نبرة تشكك (هل هذا منزل المجذوب؟) السؤال الذي بدأنا به حوارنا مع هذا المنزل بالحديث والنظرات وإستنطاق الصور والحوائط والكتب وأهل المجذوب، كان هذا عاصم إبنه الكبير الذي إقتادنا إلى الداخل وسط تطلع صاخب لأحفاد المجذوب الصغار زينب ومحمد، أدخلنا إلى الصالون لتواجهنا صورة المجذوب الشهيرة الجانبية حيث يوجه بصره حسب وضع الصورة بإتجاه مكتبته التي تكدست فيها فيها الكتب إلتقطنا بعض العناوين (أحمد محمد صالح، أبو نواس،الحطيئة، جرير، مقدمة إبن خلدون، تاريخ الرواية الحديثة، شرح إبن عقيل، أيام في الإتحاد السوفيتي، في ظلال القرآن، سيرة إبن هشام، الأذكار، مهرجان المدرسة القديمة، أعداد من مجلة شعر، نهر الرماد وبيادر الجوع لخليل حاوي، تهافت الفلاسفة، الفرح ليس مهنتي لمحمد الماغوط، فرجيل، محاكمة في نيسابور للبياتي، رسالة الغفران). المكتبة التي تمثل الجزء الأقل من مكتبته، هذا هو المكان الذي عاش فيه ومات فيه وغسل فيه جثمانه. لنتفاجأ عند لقاءنا بإبنه الذي يعد رسالة الماجستيرعن حياته وسيرته وأعماله الأستاذ عوض الكريم ، بأننا أول صحيفة تزور منزله منذ وفاته.

الرجل الذي إستقبلنا مندهشاً وأستقبلنا ما قاله مندهشين، أسعفنا ترحيبه وترحيب زوجته الصحفية سوزان شلبي عبد الرحمن.

كان فضولنا إصغاءاً متفحصاً، ونحن نقلب كل شئ بنظراتنا وأسماعنا وأسئلتنا وكاميرتنا.

حكايات من حياة المجذوب:

في البداية حدثنا عوض الكريم عن دراسته التي قال إنها جزئين جزء يبحث في حياته وجزء يبحث في أعماله وتصفح معنا فصول دراسته وكيف جمعها من معاصريه منذ الخلوة مروراً بكلية غردون مروراً بتنقلاته العديدة وصداقاته الأدبية. خلال هذا الإستعراض المنظم من عوض الكريم كان فضولنا يتحرك تجاه معرفة تفاصيل عن علاقة المجذوب بالحياة كيف كان يتحرك كبشر في الشارع والمجتمع علاقته بالقراءة وعلاقته بالموسيقى والفن عموماً، من خلال ماجمَّعه من حكايات وماعايشه منها. يقول عوض الكريم (كان قارئاً نهماً، ويميل إلى قراءة الأدب الإنجليزي، ومكتبته الإنجيزية مهولة تبدو أمامها المكتبة التي ترونها قليلة ، ولم تكن قرائته مجرد قراءة، بل كانت قراءة وتعليق وحواشي كثيرة يضيفها) وعندما سألنا عن ما كانت تحتويه هذه الحواشي قال (أغلبها تصويبات، وبعضها إستحسانات، وفي بعض الأحيان لن تجد فراغاً في الصفحة من إزدحام حواشيه). ثم أضاف (عبد الله الطيب نفسه إعترف بمقدرة التصويب هذه للمجذوب فأوكل له تصحيح ديوان، ونجد ذلك مدرجاً في مقدمة الكتاب). ثم أنتقل إلى حكايات حول طبع المجذوب حيث كان سمته التي أجمع عليها أغلب معاصريه هي البساطة وحكى لنا قائلاً( قد يقضي المجذوب وقتاً طويلاً مع بائع اللبن يؤانسه ويسأل عن حاله، ومما يحكيه خالنا البروفسير أحمد بابكر الطاهر عنه أنه في زوج إبنته الكبرى عام 77م التي تزوجت مبكراً رغم أفكار المجذوب المُتقدمة يبدو أنه جذب في ذلك بأهله المجاذيب،ذهبوا إلى السوق ليشتروا بهائم لهذه المناسبة وأبتدأوا مفاصلتهم في الأسعار مع التجار، والمجذوب رحمة بالرجل وبشقائه على بهائمه، كان يريد أن يعطي الراعي مايريده من سعر، فلم يكن لديه روح للمفاصلة، أما جماعته فقد حاولوا إبعاده حتى لا يفسد خططهم وسير أمورهم، وبعد أن إنتهوا من مفاصلتهم وجدوا حوله عدداً كبيراً من الرعاة وأصحاب البهائم والسماسرة،وهو جالس بينهم في بساطة يضحك. وهنالك حكاية أخرى عنه تبين أنه رجل يحب الحكاية ويمتلك روحاً طريفة، أنه كان قادماً من الدامر إلى الخرطوم ولم يكن لديه حجز في القطار فأستأذنوا الناس في القمرة أن يجلسوه بينهم، تأفف الركاب في البداية من هذه الإضافة مما جعل خالنا يتصل به بعد نهاية الرحلة ليستفسره كيف كانت فقال إن هؤلاء الناس رحبوا به وأحتفوا به جداً ووسعوا لي فقد ونستهم حتى لم يرد بعضهم أن تنتهي الرحلة). وتحدث عوض الكريم عن تواضعه وعدم حبه للأضواء والإعلام بواقعة حكاها له رجل عاصر المجذوب في الجنوب قائلاً (كنت صديقه نقضي أمسياتنا سوياً ولم أكن أدري شيئاً عن كونه شاعر كبير له مكانته، كما أنه لم يخبرني هذا عن نفسه أبداً، فحدث أن جئت للخرطوم في إجازة وتركته في الجنوب، فتفاجأت أن الصحف كلها تتحدث عن هذا الرجل وعن قصائده وعن تزعمه لندوة أدبية فذهلت وبدأت هل هو هو أم أنه شخص آخر، فأصبحت متشوقاً لإنتهاء اجازتي، وأول ما رجعت سألته: ياود الناس إنت الزول دا ذاتو؟ فقال : آي بالحيل).

تجاهل:

ثم أجتر عوض الكريم مرارة لا يمكن تفاديها، عن تضييع المبدعين في هذا البلد بمثال حامض يبين فيه تجاهل إنتاجات ثقافية مهمة كإنتاج المجذوب سارداً واقعتهم مع ديوان (القسوة الحليب) وما تجلى فيه من إهمال الخرطوم عاصمة ثقافية موضحا (هذه العاصمة الثقافية التي طبعت كتباً لاقيمة لها وهي دون المجذوب، وهذا إحقاقاً للحق،فقد كان تجاهل العاصمة الثقافية للمجذوب موجعاً، فقد وصلنا خطاب من الأمانة العامة للخرطوم عاصمة للثقافة لطباعة أعمال المجذوب، فأعددنا كشفاً بإسم الدواوين وذهبنا،فتجاهلونا بطريقة مؤلمة ومريرة وبين أمشوا وتعالوا حمنا مسافةً حتى قالوا لنا: خلاص حنطبع ليكم في الربع الثاني، وبعد تماطل كثير حُلت المشكلة نصفياً وقيل لنا أذهبوا لسكرتيرة مسؤول أمانة النشر بالخرطوم عاصمة للثقافة عثمان جمال الدين أجتهد الرجل معنا ولكن صدمنا بتصرفات سكرتيرته معنا، فتخيل ما قالته أنها تريد أن تجعل 9 دواوين للمجذوب في عقد واحد،ولكننا أصررنا على أن يكون كل ديوان منفصلاً لأن المجذوب علمنا أن لانضيع حقنا، وفي النهاية قيل لنا أنهم سيتصلون بنا الإتصال الي لم يأت حتى هذه اللحظة، وطبعنا ديوان القسوة في الحليب بجهد الأسرة الذاتي).