منْ يَلْحَمُ أَبْعَادِي: المجذوب (1919م ـ 1984م)

مقالات, ملفات خاصة
إعداد: محمد الصادق الحاج
  • إننا على ظَهْر تَلٍّ من الأعصاب نسمِّيه (الحاضر) الذي هو كل ما نَرِثُ من ركامٍ يَسْتَشْرِهُ الحَوَاسَّ واللاحواسّ؛ مذاقات، مَلامِس، مَشَامّ، مَسَامع، مَشَاهِد و… قراءات. لأن (النظرة منتخَب الشُّرود) في عِلْم رندا محجوب، القراءة باللاحاسة لا بالعين، القراءة بالغريزة والمادُون. ومُسَرِّع الالكترونات يطلق دفقاته المتلاحقة على بطن اليوم. فهل عَمِلَ الجهاز الهضمي ناظماً ـ بتراتُبِيَّتِهِ ـ لتراتبية الأخلاق وأحكام القيمة الإدراكية؟.
  • خلال العامين (1968م _ 1969م)، وحين لم يكن أيّ من دواوينه قد صدر بعد، كتب الشاعر محمد المهدي المجذوب نصوص ديوانه (القسوة في الحليب)، باستثناء نصَّين؛ أحدهما كَتبه في العام (1971م) والآخر، للمفارقة، مكتوب في العام 1955م. كما كتب بين العامين المذكورين أغلب نصوص كتابه (أصوات ودخان) والذي لاذ بعض نصوصه بجرائر الثلاثينيات والأربعينيات، تَرَاوَح بين أشعار خليلية وموشَّحَات ونصوص بالنثر. وكان أول ما استقام كتاباً للشاعر ديوانه (نار المجاذيب 1969م)، وكان الرجل في الخمسين من عمره، وكان قد كتب بالفعل شعره كله تقريباً.
  • وفي نفس عام صدور (نار المجاذيب)؛ أي العام (1969م) كتب محمد المهدي المجذوب قصيدته (شحَّاذ في الخرطوم) التي صدرت في العام (1984م) طيّ كتيّب ضم نحواً من ثلاثين ورقة. ثم انقضى واحد وعشرون عاماً على صدور (شحاذ في الخرطوم) وثلاثة وعشرون عاماً على رحيل المجذوب، قبل أن تفاجئنا أسرة الشاعر في العام (2005م) بديوانين كان قد أعدَّهما بنفسه في (نسخة مخطوطة ومنسَّقة بخط المجذوب) كما أفاد ناشر الكتابين (القسوة في الحليب) و(أصوات ودخان) والذي عُرِّف في ديباجتيهما بأنه: (أسرة المرحوم محمد المهدي المجذوب)، هذا غير النصوص التي أحرقها والده، كما أفاد ابنه (عوض الكريم) محرِّري (تخوم)، هذا غير النصوص المتفرقة في كراساته والتي امتنعت المحاذير الأخلاقية والاجتماعية و(الإخوانية) عن وضعها بين أيدي القراء باصطلاح العبارة.
  • (ومكانَ الأرْجُلِ الوَلْهَى طُيُورُ. في الجَّلابيبِ تَثُورُ وتَدُورُ. تَتَهَاوَى في شِرَاك)*. لعلها أرجل المجذوب نفسه هذه الطيور مضطرباتٍ في شراك (نفوس الجماعة الصارمة)*. ولقد عاشر المجذوب وعاصر أكواماً من (الجماعة الصارمة)، أوَّلها شيوخه الداخليون الذين فصَّل صرامتهم طيَّ حديثه لـ(أبوذكرى) يُقرِّعونه، ثانيها شيوخه في الخلوة في المدرسة يُقرِّعونه، ثالثها شيوخه المصريون الإنجليز يقرعونه، ثالثها شيوخه الشعراء من معاصريه، وكلنا معاصروه والتالون وبعدهم و…، يُقرِّعونه، أعني إن المجذوب قد قُرِّعَ بما فيه الكفاية للأسباب الظرفية كلها التي تجدونها في أحاديثه وفي شعره الذي وُضِع تحت احتياطات تعليبية مزينة بشرائط الهدايا اسمها (شاعر صوفي، ومن “فُحُول!!” شعراء السودان، و…)، بربِّكم!!، كيف وضعتم المجذوب في مكانٍ، دعكم عن زمانٍ، هو ما لا تستطيعون تنميط المجذوب وِفْقَه. (طيور في الجلاليب)، هي المجذوب الذي أعرف، هي (فتىً في حلبة الطَّارٍ تَثَنَّى وتأنَّى)*، (تأنَّى) يا قوم، تأنَّى، هذا الطفل الجَّموح!!، شاعرٌ وَلَدٌ يتهوَّل ـ لِيتَهَوَّل ـ من أحاديثِ شيْخٍ يَسْكُنُه. على الأقل كنتم أكرمتموه بوصفه (فُصَامياً) يعي سُكَّانَه ويحاورهم، بل ويرتدع بتقريعاتهم من أجلكم!.
  • (لستُ صوفياً)، (لستُ صوفياً)، (لستُ صوفياً)؛ أعادها مراراً وتكراراً فما أغنتكم عنها إلى الشعر، هل ينبغي على هذه الضراوة أن تُوْدِي بواحد منكم قبراً حتى تطلقوا سراح الشِّعْر من بين يدي ماشطة الأحكام المدرَّبة؟، ولا عليكم، شِعْر طليق لا ينال منه التجاهل ولا تخنقه العناية، (ثأريَ قادمٌ فانتظروا قيامتي تَمْحُوكمُ من الوجود*. أتحدث إلى المستنيرين الحداثيين الفرحانين بستَّينياتهم وسبعينياتهم وثمانينياتهم وتسعينياتهم الطَّروب؛ وحتى ألْفِينِيِّين جاست خلال عقولهم الرطبة المفراكة الآسِفَة ذاتها، هل تعاميتم؟، قولوا، لم نكن نعلم!، لقد تُعْذَرون. ولكن هَبُوا عُذرتم بما جهلتم من المجذوب، هل تُعْذَرون بما جهلتم منكم؛ إذ تعاميتم حتى عن كتابتكم؟، اسمعوا المجذوب يعرِّفكم: (أَحْرَاشُنَا تنمو على اتِّفَاق)*، يقول عاذركم إنكم قد كنتم غارقين في فوران حركات التحرر وأفكار المقاومة السياسية التي اندلعت في عقل تلك السنوات وغذته بلوثة التغيير السياسي!، فهل كانت لكم في التغاريد السياسية الكفاية عن إشعال ناركم تلك كلها على رأس الطلب؟، ألم يكن الفن الثورةَ الكبرى تدور صاعقةً دائمةَ النار في كل زمان، ألم تكن الكتابة آيديولوجيا بما فيه الغناء؟؛ وقوداً محركاً، بما يجعل من التماعاتكم الشبابية الخاطفة تلك شرارةً تنقدح في كابوس العمل الثقافي الكسيح في السودان منذكم؟!، هذا عار!!.
  • لأقرأ المجذوب لم ألتزم غير غريزتي؛ طَرَبِي الشخصي بما يزأرُ، حتى في الحجر. لتكن انتقائيةً، ولتكن انحشاراً في الجيب الذي لا نَوَال ولا مخرج، ولتكن اللمعانَ الممكنَ استيراداً عن الظلمة الإرث، ولتكن… لتكن احتياطاً هضمياً على قلعة التَّلّ الذي، (يريدُ أن ينقَضّ)، فلا تقيموه مجدَّداً يا قوم، افتحوا الكنْز.

محمد ص. ح.

 ادن اليوبيليَّة، سوى ملاط المناهج المدرسية اللازب، والحجريّ تماماً، في تثبيت دوران الأرض.

بهذا الثقل أستروحُ هواء هذه الاستعادة للشاعر محمد المهدي المجذوب، وأربأُ بالقائمين عليها، في هذه المساحة بالذات، من منطلق حبيهم، أن يلفهم دوران هذه الآلية الماضوية، والتي حتماً ستصبغُ عطائهم المتميز، إذا لم ينسلوا ثيابهم _بل أعضائهم_ عنها، ويدلفوا من باب التهدين الواسع. والهدنةُ بلا شكّ هزيمةٌ للجديد.

وأكادُ ألمح خلال هذا الفعل المحدود، بوادر ذلك النزوع الارتكاسي _لا قدَّر الله_ المتمثل في ضرورة البحث عن أبٍ. الأب هو، بكل تأكيدٍ، الخطوة الأولى نحو الماضي. إن مثل هذا البحث يَنتُجُ عنه أبٌ زائف دائماً.

إن الموقف الأخلاقيّ لرواد الجديد، وطلائعه في صراعه مع القديم، هو الخصومةُ بكل أدواتها، وإعلانِ حربٍ مباركة ومقدَّسة وضروريَّة تجاهه، والنأي عن أي إغراءٍ بالمهادنة، مهما كان جلاء هذا القديم؛ فتلك المهادنةُ مهمةُ آخرين، دأبهم طحنُ الطَّحين ومضغ الماء _ (ياللحمق!). إن هذه الأبوُّات وهميِّة، ترقى إلى مقولات النقاء العرقيّ وسخفه.

ثم نأتي إلى المجذوب؛ هذا الشاعر الذي يملأ الدنيا ويشغل الناس، منذ أوانٍ بعيدٍ، ليس سوى شاعرٍ طريفٍ من طبقةِ الشعراء الطريفين؛ أمثال عبد الله الطيب وخليل عجب الدور وعبد الرحمن علي طه وأضرابهم شعراء الكتيبة، وإن كان على القمةِ منهم. والشاعر الطريف ذلك الذي يُحيلُ الحياة إلى نَظم:

(الله الله على الكِسْرة

بيضاءَ تهيجُ لها الحضرة).ولم يخرج إلا قريباً من هذا الإطار. ليس هو الشاعر الباحث عن المجاز، الذي يُهرْمِن الموجودات.

  • إننا على ظَهْر تَلٍّ من الأعصاب نسمِّيه (الحاضر) الذي هو كل ما نَرِثُ من ركامٍ يَسْتَشْرِهُ الحَوَاسَّ واللاحواسّ؛ مذاقات، مَلامِس، مَشَامّ، مَسَامع، مَشَاهِد و… قراءات. لأن (النظرة منتخَب الشُّرود) في عِلْم رندا محجوب، القراءة باللاحاسة لا بالعين، القراءة بالغريزة والمادُون. ومُسَرِّع الالكترونات يطلق دفقاته المتلاحقة على بطن اليوم. فهل عَمِلَ الجهاز الهضمي ناظماً ـ بتراتُبِيَّتِهِ ـ لتراتبية الأخلاق وأحكام القيمة الإدراكية؟.
  • خلال العامين (1968م _ 1969م)، وحين لم يكن أيّ من دواوينه قد صدر بعد، كتب الشاعر محمد المهدي المجذوب نصوص ديوانه (القسوة في الحليب)، باستثناء نصَّين؛ أحدهما كَتبه في العام (1971م) والآخر، للمفارقة، مكتوب في العام 1955م. كما كتب بين العامين المذكورين أغلب نصوص كتابه (أصوات ودخان) والذي لاذ بعض نصوصه بجرائر الثلاثينيات والأربعينيات، تَرَاوَح بين أشعار خليلية وموشَّحَات ونصوص بالنثر. وكان أول ما استقام كتاباً للشاعر ديوانه (نار المجاذيب 1969م)، وكان الرجل في الخمسين من عمره، وكان قد كتب بالفعل شعره كله تقريباً.
  • وفي نفس عام صدور (نار المجاذيب)؛ أي العام (1969م) كتب محمد المهدي المجذوب قصيدته (شحَّاذ في الخرطوم) التي صدرت في العام (1984م) طيّ كتيّب ضم نحواً من ثلاثين ورقة. ثم انقضى واحد وعشرون عاماً على صدور (شحاذ في الخرطوم) وثلاثة وعشرون عاماً على رحيل المجذوب، قبل أن تفاجئنا أسرة الشاعر في العام (2005م) بديوانين كان قد أعدَّهما بنفسه في (نسخة مخطوطة ومنسَّقة بخط المجذوب) كما أفاد ناشر الكتابين (القسوة في الحليب) و(أصوات ودخان) والذي عُرِّف في ديباجتيهما بأنه: (أسرة المرحوم محمد المهدي المجذوب)، هذا غير النصوص التي أحرقها والده، كما أفاد ابنه (عوض الكريم) محرِّري (تخوم)، هذا غير النصوص المتفرقة في كراساته والتي امتنعت المحاذير الأخلاقية والاجتماعية و(الإخوانية) عن وضعها بين أيدي القراء باصطلاح العبارة.
  • (ومكانَ الأرْجُلِ الوَلْهَى طُيُورُ. في الجَّلابيبِ تَثُورُ وتَدُورُ. تَتَهَاوَى في شِرَاك)*. لعلها أرجل المجذوب نفسه هذه الطيور مضطرباتٍ في شراك (نفوس الجماعة الصارمة)*. ولقد عاشر المجذوب وعاصر أكواماً من (الجماعة الصارمة)، أوَّلها شيوخه الداخليون الذين فصَّل صرامتهم طيَّ حديثه لـ(أبوذكرى) يُقرِّعونه، ثانيها شيوخه في الخلوة في المدرسة يُقرِّعونه، ثالثها شيوخه المصريون الإنجليز يقرعونه، ثالثها شيوخه الشعراء من معاصريه، وكلنا معاصروه والتالون وبعدهم و…، يُقرِّعونه، أعني إن المجذوب قد قُرِّعَ بما فيه الكفاية للأسباب الظرفية كلها التي تجدونها في أحاديثه وفي شعره الذي وُضِع تحت احتياطات تعليبية مزينة بشرائط الهدايا اسمها (شاعر صوفي، ومن “فُحُول!!” شعراء السودان، و…)، بربِّكم!!، كيف وضعتم المجذوب في مكانٍ، دعكم عن زمانٍ، هو ما لا تستطيعون تنميط المجذوب وِفْقَه. (طيور في الجلاليب)، هي المجذوب الذي أعرف، هي (فتىً في حلبة الطَّارٍ تَثَنَّى وتأنَّى)*، (تأنَّى) يا قوم، تأنَّى، هذا الطفل الجَّموح!!، شاعرٌ وَلَدٌ يتهوَّل ـ لِيتَهَوَّل ـ من أحاديثِ شيْخٍ يَسْكُنُه. على الأقل كنتم أكرمتموه بوصفه (فُصَامياً) يعي سُكَّانَه ويحاورهم، بل ويرتدع بتقريعاتهم من أجلكم!.
  • (لستُ صوفياً)، (لستُ صوفياً)، (لستُ صوفياً)؛ أعادها مراراً وتكراراً فما أغنتكم عنها إلى الشعر، هل ينبغي على هذه الضراوة أن تُوْدِي بواحد منكم قبراً حتى تطلقوا سراح الشِّعْر من بين يدي ماشطة الأحكام المدرَّبة؟، ولا عليكم، شِعْر طليق لا ينال منه التجاهل ولا تخنقه العناية، (ثأريَ قادمٌ فانتظروا قيامتي تَمْحُوكمُ من الوجود*. أتحدث إلى المستنيرين الحداثيين الفرحانين بستَّينياتهم وسبعينياتهم وثمانينياتهم وتسعينياتهم الطَّروب؛ وحتى ألْفِينِيِّين جاست خلال عقولهم الرطبة المفراكة الآسِفَة ذاتها، هل تعاميتم؟، قولوا، لم نكن نعلم!، لقد تُعْذَرون. ولكن هَبُوا عُذرتم بما جهلتم من المجذوب، هل تُعْذَرون بما جهلتم منكم؛ إذ تعاميتم حتى عن كتابتكم؟، اسمعوا المجذوب يعرِّفكم: (أَحْرَاشُنَا تنمو على اتِّفَاق)*، يقول عاذركم إنكم قد كنتم غارقين في فوران حركات التحرر وأفكار المقاومة السياسية التي اندلعت في عقل تلك السنوات وغذته بلوثة التغيير السياسي!، فهل كانت لكم في التغاريد السياسية الكفاية عن إشعال ناركم تلك كلها على رأس الطلب؟، ألم يكن الفن الثورةَ الكبرى تدور صاعقةً دائمةَ النار في كل زمان، ألم تكن الكتابة آيديولوجيا بما فيه الغناء؟؛ وقوداً محركاً، بما يجعل من التماعاتكم الشبابية الخاطفة تلك شرارةً تنقدح في كابوس العمل الثقافي الكسيح في السودان منذكم؟!، هذا عار!!.
  • لأقرأ المجذوب لم ألتزم غير غريزتي؛ طَرَبِي الشخصي بما يزأرُ، حتى في الحجر. لتكن انتقائيةً، ولتكن انحشاراً في الجيب الذي لا نَوَال ولا مخرج، ولتكن اللمعانَ الممكنَ استيراداً عن الظلمة الإرث، ولتكن… لتكن احتياطاً هضمياً على قلعة التَّلّ الذي، (يريدُ أن ينقَضّ)، فلا تقيموه مجدَّداً يا قوم، افتحوا الكنْز.

محمد ص. ح.

 ادن اليوبيليَّة، سوى ملاط المناهج المدرسية اللازب، والحجريّ تماماً، في تثبيت دوران الأرض.

بهذا الثقل أستروحُ هواء هذه الاستعادة للشاعر محمد المهدي المجذوب، وأربأُ بالقائمين عليها، في هذه المساحة بالذات، من منطلق حبيهم، أن يلفهم دوران هذه الآلية الماضوية، والتي حتماً ستصبغُ عطائهم المتميز، إذا لم ينسلوا ثيابهم _بل أعضائهم_ عنها، ويدلفوا من باب التهدين الواسع. والهدنةُ بلا شكّ هزيمةٌ للجديد.

وأكادُ ألمح خلال هذا الفعل المحدود، بوادر ذلك النزوع الارتكاسي _لا قدَّر الله_ المتمثل في ضرورة البحث عن أبٍ. الأب هو، بكل تأكيدٍ، الخطوة الأولى نحو الماضي. إن مثل هذا البحث يَنتُجُ عنه أبٌ زائف دائماً.

إن الموقف الأخلاقيّ لرواد الجديد، وطلائعه في صراعه مع القديم، هو الخصومةُ بكل أدواتها، وإعلانِ حربٍ مباركة ومقدَّسة وضروريَّة تجاهه، والنأي عن أي إغراءٍ بالمهادنة، مهما كان جلاء هذا القديم؛ فتلك المهادنةُ مهمةُ آخرين، دأبهم طحنُ الطَّحين ومضغ الماء _ (ياللحمق!). إن هذه الأبوُّات وهميِّة، ترقى إلى مقولات النقاء العرقيّ وسخفه.

ثم نأتي إلى المجذوب؛ هذا الشاعر الذي يملأ الدنيا ويشغل الناس، منذ أوانٍ بعيدٍ، ليس سوى شاعرٍ طريفٍ من طبقةِ الشعراء الطريفين؛ أمثال عبد الله الطيب وخليل عجب الدور وعبد الرحمن علي طه وأضرابهم شعراء الكتيبة، وإن كان على القمةِ منهم. والشاعر الطريف ذلك الذي يُحيلُ الحياة إلى نَظم:

(الله الله على الكِسْرة

بيضاءَ تهيجُ لها الحضرة).ولم يخرج إلا قريباً من هذا الإطار. ليس هو الشاعر الباحث عن المجاز، الذي يُهرْمِن الموجودات.

صيَّادٌ شَيْخ

يتوثَّبُ مَدَّ الموجةِ فوقَ الرَّملِ إليهِ يدورُ عليهِ ويَلْحَسُ راحَتَهُ

وينامُ على قَدَمَيْهِ

كلبٌ شبعانٌ شاكِر.

***

البحرُ غضونٌ ملءَ جبينِكَ يا صيَّاد

تتعثَّرُ فيها الذكرى، ماضيك يعودُ إليكَ مع الصَّدَفِ المكنون..

أطيافُ جَمَالٍ تُوْلَدُ في الظلماء تُرَجِّع صَفْوَ اللؤلؤِ من ينبوعِ اللَّبَنِ الأوَّل

يا صيَّادُ سألتُكَ عن مَاضِي النَّاسِي كيفَ يعود

أدُمُوعُ السَّلْوَةِ في أغوارِ النَّفْسِ تُصَاد؟

يا صيادْ

تَسَأَلُنِي عن صُرَّةِ أصدافي

لا تسخَرْ منِّي أو منها فيها سُهْدُ جُفُون

أطلالٌ يبكي فيها الشَّيْبُ ويَهْذِي الغَيْب.

***

الكلبُ النَّائمُ يُصْغِي والأسماكُ تَحُومُ وتُصْغِي

وتصيح شباكٌ: يا صيَّاد!

وتشابكَتِ الأبعادُ على بَرْقٍ سَكَّابٍ يَعْوِي ملءَ شِبَاكِ الصَّيْد

الشَّيْخُ أسيرٌ آسِر

الشَّيْخُ يَشُدُّ سواعدَهُ يَطَّايَرُ فيها البَحْر

كلبٌ جوعانٌ كَشَّرَ في الآفاقِ وعادَ ولَمْ تَعُدِ الآفاقُ بِوَجْهِ حبيبِي

مَنْ يَلْحَمُ أَبْعَادِي.

***

البَرْدُ يَهُزُّ اللَّيل

الكلبُ النَّائمُ قَاسَمَهُ الصَّيَّادُ حنانَ الدِّفْءِ الزَّائر

يَتَلَفَّتُ وَمْضُ النَّارِ يُصَرِّحُ عن أشياءٍ

ويُسَمِّيها يَصَّفَّحُ وَجْهِي ماجَتْ فيه غُصُونُ خُوَاء

شِبَاكٌ تحلمُ بالأعماقِ المجهولة

يا صيَّاد!

هَذَا البَحْرُ صَدِيقُكَ

سَائِلْ قُمْقُمَهُ الوَهَّابَ عن الأحباب

أو كُلْ من زاديَ هذا الخبزَ الغَادِر

بهذا الثقل أستروحُ هواء هذه الاستعادة للشاعر محمد المهدي المجذوب، وأربأُ بالقائمين عليها، في هذه المساحة بالذات، من منطلق حبيهم، أن يلفهم دوران هذه الآلية الماضوية، والتي حتماً ستصبغُ عطائهم المتميز، إذا لم ينسلوا ثيابهم _بل أعضائهم_ عنها، ويدلفوا من باب التهدين الواسع. والهدنةُ بلا شكّ هزيمةٌ للجديد.

وأكادُ ألمح خلال هذا الفعل المحدود، بوادر ذلك النزوع الارتكاسي _لا قدَّر الله_ المتمثل في ضرورة البحث عن أبٍ. الأب هو، بكل تأكيدٍ، الخطوة الأولى نحو الماضي. إن مثل هذا البحث يَنتُجُ عنه أبٌ زائف دائماً.

إن الموقف الأخلاقيّ لرواد الجديد، وطلائعه في صراعه مع القديم، هو الخصومةُ بكل أدواتها، وإعلانِ حربٍ مباركة ومقدَّسة وضروريَّة تجاهه، والنأي عن أي إغراءٍ بالمهادنة، مهما كان جلاء هذا القديم؛ فتلك المهادنةُ مهمةُ آخرين، دأبهم طحنُ الطَّحين ومضغ الماء _ (ياللحمق!). إن هذه الأبوُّات وهميِّة، ترقى إلى مقولات النقاء العرقيّ وسخفه.

ثم نأتي إلى المجذوب؛ هذا الشاعر الذي يملأ الدنيا ويشغل الناس، منذ أوانٍ بعيدٍ، ليس سوى شاعرٍ طريفٍ من طبقةِ الشعراء الطريفين؛ أمثال عبد الله الطيب وخليل عجب الدور وعبد الرحمن علي طه وأضرابهم شعراء الكتيبة، وإن كان على القمةِ منهم. والشاعر الطريف ذلك الذي يُحيلُ الحياة إلى نَظم:

(الله الله على الكِسْرة

بيضاءَ تهيجُ لها الحضرة).ولم يخرج إلا قريباً من هذا الإطار. ليس هو الشاعر الباحث عن المجاز، الذي يُهرْمِن الموجودات.

أو كُلْ من زاديَ هذا الخبزَ الغَادِر

نَنْسَى الماضي نَنْسَى الحاضر.

الشَّيْخُ ينام

الكلبُ ينامُ على قَدَمَيه.

وجَلَسْتُ هناك على صخرة

وَحْدي يتجمَّعُ ظِلِّي تحتي يَحْبِسُنِي، أخشاهُ يَزُولُ ويتركني عندَ المجهول

النَّارُ الواحدةُ القُصْوَى تجتازُ إلَيَّ اللَّيلَ تَزُورُ عيوني تنظرُ في أعماقي

أوتارٌ ضائعةُ الألحانِ بلا إصْغَاء

وتَعُودُ النَّارُ إلى الآفاقِ مع الإخفاقِ ولَسْتُ أعود

وبَكَيْتُ ولَمْ أَعْبُرْ ظِلِّي وفؤادي

نَجْمٌ في قاعِ الرُّوحِ يَتُوقُ إلى نَجْمٍ راحل

مَنْ يَلْحَمُ أَبْعَادِي

الطَّيْرُ تَلاشَى في الآفاقِ وذاكَ الدَّمْعُ طَوَاهُ وِسَادِي

وفَقَدْتُ حبيبِي

وذَكَرْتُ صِبَاي.

***

النَّارُ تَلَفَّتُ تَلْتَمِسُ الأشياءَ تُسَمِّيها وتَغِيبُ فتنحسرُ الأسماء

وفَقَدْتُ حبيبِي

ونظرتُ إلى الصيَّاد يغيبُ، يَرَانِي ثمَّ يغيب.

***

النَّارُ تَلَفَّتُ تَلْتَمِسُ الأشياءَ فَتَزْجُرُها الظلماءْ

وعُيُونُ حبيبِي

غاباتُ ظُنُون

هل يُسْفِرُ نجمٌ يعرفُ أينَ أكون؟.

***

وصراعُ البَحْرِ هناكَ مع الآفاقِ تَهَوَّرَ تحتَ جِدَار..

يِبْنِيهِ عَمَى الإبصار

وفؤادي والأسرار

وأنا المشتاق

البحرُ هنالكَ يمسكُهُ الصيَّادُ من الآفاقِ ولَمْ تَعُدِ الآفاقُ بِوَجْهِ حبيبِي.

***

الثقل أستروحُ هواء هذه الاستعادة للشاعر محمد المهدي المجذوب، وأربأُ بالقائمين عليها، في هذه المساحة بالذات، من منطلق حبيهم، أن يلفهم دورا

النَّارُ تَلَفَّتُ تُفْصِحُ عن أشياءٍ ـ وتُسَمِّيها

ما فيها عَنْقَاءٌ تَبْعَثُنِي

وجبينِي ماجَتْ فيه غُضُون

شِبَاكٌ تحلم بالأعماقِ المجهولةِ يا صيَّاد.

***

الكَلْبُ على قَدَمَيْهِِ ينام

ويَلُمُّ الضَّوْءَ بوجهي

وأمِيلُ على الصيَّاد: هَاتِ الشَّبَكة.

ويقولُ، ويَطْرُدُ عن عينيهِ حديثَ النَّار:

هَذا بَحْرٌ آخر.

***

الكلبُ ينامُ على قَدَمَيْه

البحرُ سَجَا ينسى في نومِكَ يا صيَّاد

وتغوصُ مع الأدْهَارِ وتُمْسِكُ في أعماقِكَ أنفاسَ التيَّار

هل باحَ بهِ الصَّدَفُ المكنون؟

وأنا المُشْتَاقُ فؤادي سِرٌّ آخَر

***

ظِلِّي بَحْرٌ مقتول

يَمْتَدُّ وَرَائِي يُطْفِئُ تلكَ النَّار.

28/6/1968م

* من كتاب (القسوة في الحليب)

بهذا الثقل أستروحُ هواء هذه الاستعادة للشاعر محمد المهدي المجذوب، وأربأُ بالقائمين عليها، في هذه المساحة بالذات، من منطلق حبيهم، أن يلفهم دوران هذه الآلية الماضوية، والتي حتماً ستصبغُ عطائهم المتميز، إذا لم ينسلوا ثيابهم _بل أعضائهم_ عنها، ويدلفوا من باب التهدين الواسع. والهدنةُ بلا شكّ هزيمةٌ للجديد.

وأكادُ ألمح خلال هذا الفعل المحدود، بوادر ذلك النزوع الارتكاسي _لا قدَّر الله_ المتمثل في ضرورة البحث عن أبٍ. الأب هو، بكل تأكيدٍ، الخطوة الأولى نحو الماضي. إن مثل هذا البحث يَنتُجُ عنه أبٌ زائف دائماً.

(…وكنت أصنعُ هذا الشعر على أحوالٍ مختلفات، ولقد عَلِمْتُ بعد الممارسة والتجربة أن الشعر أصعب الفنون، وتؤهلني طاقتي إلى بلوغ غايتي فيه. وقد آذاني الشعر؛ فقد رسخ هنا في أذهان الناس أن الشاعر من كوكب آخر، وهو لا يأكل الطعام ولا يسعى في الأسواق. وأذكر؛ أول التحاقي بالوظيفة، أن رئيسي في الديوان ـ مصريّ ـ رآني اختلس النظر إلى ديوان العقاد كنت خبأته في أحد أدراجي، وأصْلَحَ الرجل الطيب شاربه الملكي، وابتدأ بوظيفته؛ رئاسة المكتب، ونظر وعبس وبسر وقال في إشفاق واستخفاف: (يا ابني الشعر ما يسقيش ميه)، وأعترف هنا أنني لم أنتفع بنصيحته قط، وما انتهت نفسي عن غيرها وليس لها سابق. وتذكرت نصيحة الرجل الطيب، وقد حسبني مداحاً، وقد فطن إلى ضعف الشاعر في هذا الزمان، والحقيقة الناس ينظرون إلى عمل الإنسان؛ هل هو مدير، هل هو. ولقد كان الشاعر في السودان مذبوحاً…).

***

(… كان لوحي المرهف من خشب العُشَر الخفيف، حفظته وعرضته على شيخي ذات صباح ثم ذهبت فمحوته وطليته بجيرة بيضاء لبنية صافية، وجف كأنه ورقة صقيله. وضعت اللوح مبتهجاً بين يدي شيخ الفقراء. كان طالب القرآن، كلما أتم حفظ جزء من الكتاب المبين، شرَّف شيخُ الفقراء لوحَه، تحيةً للطالب على حفظه وتبريكاً وجائزةً معنوية ذات قدر وأثر في أولئك الملأ الطيبين، يتقربون فيها إلى الله سبحانه بالكرامة. والشرافة والتشريف كانت بشارةً وفألاً حسناً وشارةً على استقامة الطالب والتزامه.

الشيخ الصالح يجلس مطمئناً على فروته، يمسك اللوح وفي يده قلم من القصب أجاد بَرْيَه، ويرسم، بيد طيعة ثابتة، خطوطاً بالعَمَار الأسود الناعم على حواشي اللوح طولاً وعرضاً حتى يستقيم من كل الخطوط إطار مشدود، ثم يرسم إطاراً داخلياً، ويقسم المساحة بين الإطارين إلى مربعات متساويات، ويصل زوايا المربعات بخطوط متقاطعات فتصير مثلثات، ثم يرسم قبةً هَرِيمَةً أو مدوَّرة فوق سقف الإطار الأعلى، ويضع فيها دوائر أو مربعات، يملأ الشيخ العابد الفنان هذه المثلثات نسقاً متتالياً بالألوان من الأخضر اليانع، والأحمر الصارخ، والأصفر الفاقع يسر الناظرين. والألوان يعين بعضها بعضاً على الانسجام والإشراق. ويحيط هذا الإطار الشفاف المزخرف برقعة بيضاء في اللوح نقية كالمرآة، يخط الشيخ فيها بالثُّلُث آياتٍ محكمات، وخَطُّ الشيخِ ثلثاً ونسخاً واضحٌ جميلٌ كثير البركة، والخط لا يخل بوزن الإطار، وحركات الشكل وهذه النمنمة لها إيقاع بهي في بياض اللوح، وبهذا التشكيل تكتمل الشرافة.

و يجيء العيد. فيعلق الشيخ ألواح تلاميذه جميعاً على جدران الخلوة القرآنية الظليلة، فإذا نظرتَ فأنت لا ترى الجدران والألواح، وإنما ترى المصابيح الملونات الموقدات معلقات في ظل مديد.

كان لذلك المعرض الموسيقي الملون أثر في نفسي لا يزول، كان فرحي المتأمل وشغفي العذري بالحياة النقية الخيرة والألوان والأضواء الموحيات، وكان الشيخ يجود عمله ويتقنه، وكان يعرف أثر عمله الطيب في نفس تلاميذه، كان صبوراً شكوراً، يخرج فيزرع مع تلاميذه إذا فاض النيل أو شرب الوادي…).

***

(… وخرجت مع الحيران الى الفزعة لنحتطب، وهي نار توقد من الحطب، وفي قبضتي الصغيرة فَرَّار وماء من بحر النيل في زجاجة خضراء. وتغوص أقدامنا في كثبان الرمال وتتعلق عيوننا بزرقة النيل وبالدوم والنخيل، ونريح طفولتنا في السدر الظليل ونعود إلى النار بالعشر والسلم، ونوقد النار مغرب كل أربعاء كرامة، وتطعمنا الأربعاء كرامة من بليلة اللوبيا المبارك وعيش الريف الحلال، ولا زال كل يوم أربعاء كرامة في الدامر، وأحياناً هنالك من يتبرع بعَتُود أو عَمْبَلُوق، يتم تقطيعه مع عيش الريف ويأتي الحيران ويقسمون هذه الكرامة بينهم، وفي الليل الساكن الهامس بالنجوم وهي البيئة التي خلقت هذا الشعر، هي الفزعة والخلوة والحطب والنيل ومن ليل الدامر الساكن الهامس بالنجوم…).

* (لست صوفياً، إلا إذا كان تعلُّقِي بالأشياء واستغراقي فيها، حتى أنسى نفسي أحياناً؛ تصوفاً).

*(نعم؛ في جانب مني شيخٌ حاسرُ الرأس من فقراء السودان (…) ولقد تعلَّمت من الشيخ الذي فيَّ أشياءَ كثيرةً، أولاً الخدمة، ولم تكن لي عنده مكانة خاصة تميِّزني عن الآخرين، (…) وكان يأمرني بتجويد الخط، والدراسة لا تنقطع؛ كل لحظةٍ امتحان، (…)، ولكن نفوري السِّري من ابن مالك كان شديداً، وكنت أستثقل الحريري سراً، فإذا وجدتُ فرصةً ـ وما كان أقل الفرص مع المراقبة الشديدة ـ خلوت إلى نفسي ألعب بالطين، وأرتد طفلاً حقيقياً يتحدث ويلعب مع نفسه الصغيرة التي ذابت في نفوس الجماعة الصارمة. وكنت أرى في الطين حصوناً وأناساً يتحركون، وكان يداخلني من هذا فرح لا يوصف. ولا أعلم كيف علم الشيخ بهذا العبث فلم يرضه، قال إنه لَهْوٌ مضيعة للوقت، وانفرد بي شيخ آخر فقرَّعَني على هذا الخروج، وحَدَس أنني سأكون مارقاً وكذا كذا، وحَوْقَلَ واستغفر، فهالَنِي ذلك وأفزعني، وجاء يوم كتبت فيه بيتين من الشعر على جدار، وقرأهما المعلم، ورأيت الانبساط في وجهه ولكنه أنكر المعنى؛ وكان هجاءً في أحد الناس، فذكر المعلم غاضباً أن “الشعر موهبة، والموهبة أمانة وليست أهواءً لا تنفع، والشعر خلاصة الحكمة، وخيرُهُ أشْرَفُه؛ ما كان في الشمائل النبوية، وشرطه السهولة، ونقاء الحروف، وخفته على اللسان والسمع، والصدق الدالّ على الحب، والتغني به مع الجماعة”، فهالني هذا كله وخامرني في تقديس الشعر).

*(ولكن الشيخ الذي فيَّ ذهب معي إلى المدرسة. (…)، ولم أدرِ أين أضع نفسي من هذا كله، واستمر شيخي الداخليُّ في تعليمه لي. واستمرَّ التلميذ الجديد فيَّ مع المدرسة).

*(لا يستطيع شاعر، في تقديري، أن يرفض شيئاً؛ فالشاعر جهاز يجمع ويرتِّب بلاوعي، ويختزن كل شيء من مشاهداته لحركة الناس والأعمال الفنية غير الشعر، وقد تَعْلُقُ بنفسه الأشياء العادية، ثم تتحرك هذه الموهبة؛ أو هذا العقل الخفي، إلى تشكيل شيء نستطيع تأمله وقد نتذكر فيه شيئاً يعود بطريقة غريبة. وأحسب أن الذين طلبوا الكيمياء كانوا شعراء ضلوا الطريق. أما الذي يرفض بوعي كامل فهذا نَظْمٌ لا يعرف علاقة الكلمات، قصائدهُ كالقمصان البلدية، فقماشه وخيوطه من اللغةِ الموفورة، ولا يجدُ فِكاكاً من حركةِ يديه، هذا لم يخلعُ أستاراً ليستقبل الريح والمطر والصواعق والسكوت والفرح. إن الذي يرفض لا يعرف الموت والميلاد. أغلب الذين يرفضون هم من أهل النصوص والحفظ والخوف أيضاً؛ فهم لا يستطيعون مفارقة ما ألِفُوا. ومن حسن حظي أنني لا أحفظ، ولذلك فأنا حرّ؛ أي أنني لا أتقيَّد، ولا أعرف بالضبط من أين جائتني القدرةُ على التفلُّت من الكُتُب، أم هو ضعف الذاكرة، إنني أقرأ الكتب فعلاً قراءةً خاصَّة، مؤثِّرة، ثمَّ أنساها من غير أن أتعمَّد هذا النسيان، أم مَردُّ هذا إني أنتقل من حالةٍ إلى حالة؛ فالكتب والمَشاهد معابر).

*(أنا في حريتي هذه مقيَّدٌ بشيءٍ أُعبِّرُ عنه بلغته، ثم أتخطَّاه، وليس لي في ذلك اختيار (…) كلُّ همي أن أجد ما أعبِّر لأشعر بوجودي).

*(وهي ليست في الواقع رفضاً، إنما هي شيءٌ آخر، جديد؛ إنسانٌ جديد).

*(إن الصراع بين قوى النفس المختلفة، وما يعقبه من إرهاقٍ للروح والجسد؛ يُمْلِي الشعر. والشَّاعر في زعمي يعيشُ مع البراكين والعواصف، كما يعيش مع السكون والإصغاء لصوتِ نفسه وهذه الأشياء. ولا أحسبك ينطلي عليك ما ترى من وداعةٍ على وجوه شعرائنا المبدعين؛ فهم وحشيُّون، وفي هذا جمالٌ طليق، وقد يخاصم الشاعر نفسه، ويهاجر منها إلى نفوس الآخرين لعله يجد نفسه، وقد يعود بالإرهاق المفحم أو البوح الغريب، وقد يمرض إذا لم يجد المشاركةَ وينهدم داخله.

*(ليس هناك إنسان أفضل من إنسان، إلا بمقدار ما يعطي مِنْ صِدْقِ نفسِهِ للآخرين).

*(إنني أحلم بجيل يجعل الكتابةَ جزءاً من العيش؛ كشُرْبِ الماء).

*(الشعر ليس بهرجاً، وإنما هو مفتاح لكثير من الحقائق الإنسانية، وقد يجد أصحاب هذه التصنيفات في الشعر ما لم يخطر في ذهن الشاعر الذي كتبه، ومن حق النقاد وأصحاب اللغة أن يقولوا ما يرون، وأجسب أنني كنت أفتش لنفسي عن مخرج في الشعر، فما كنت واقفاً في نقطة واحدة، وقد أطرق الأبواب فلا تستجيب، وقد أتحيَّر طويلاً ثم أتحرَّك. كنت أحاول أن أتجاوز حتى نفسي. لقد طال توقفي أخيراً، كأنني أبحث عن شيء؛ كأنني ما عرفت نفسي قَطّ).

*(إنني أُحِبُّ مَن يتعاطون الآداب والفنون؛ فهم قبيلتي).

Share