عبد الله الزين: فلنقل جِدَّةٌ والله عجيبة

مقالات, ملفات خاصة

كسْر المجذوب للتقليد أيّاً كان – منذ الإجتماعي لغاية الإبداعي لا يعوزه التبيين، إذ أنه أي المجذوب قد أعلنه بياناً، بالمعني الإشهاري الجهير:

ليتني في الجنوب ولي ربابٌ تميل به خطايا وتستقيم

وفي حقويَّ من خرزٍ حزامٌ وفي صدغَيَّ من ودعٍ نظيم

وأجترع المريسة في الحواني ثم أهذر لا أُلام ولا ألوم

وأُصرع في الطريق وفي عيوني ضباب السُّكْر والطرب الغشيم

طليق لا تقيدني قريشٌ بأنساب الكرام ولا تميم

اسم القصيدة نفسه (انطلاق)، والاسم في سمته الفصيح هذا، يفي الغرض ويزيد، لكنك إن نظرت إلى أطيافه في لغتنا المحكية، فهو (الانطلاقَة) العديلة ديك، وَرَدَتْ هذه القصيدة في ديوانه الأول، فلنستمع إذا إلى المجذوب وهو يقول: (ديواني اسمه (خرائب الليل)، أميل إلى تغيير الاسم إلى (نار المجاذيب) وهي نار القرآن، نار ثقافة، وعلى ضوئها رأيت العالم، وفي الديوان شعرٌ مكشوفٌ سأنشره وليخلعني المشايخ في الدامر، يا حليلك) هذا اقتطاعٌ مخلٌّ استللته هنا من رسالةٍ أرسلها الشاعر إلى صديقه علي أبوسن، المقيم في لندن حينها، في يوم 28/7/1966م من الخرطوم، ونشرها الأخير في كتابه (المجذوب والذكريات) الجزء الأول ص 168، واقتطاع آخر _خشية التطويل_ ليس أقل إخلالاً (زارني المشايخ من الدامر، على وجوههم نور، مال قلبي إليهم، أحضرت لهم العشاء، ثم أويت إلى حجرتي ساهماً، أسمعهم الفينة بعد الفينة يسبِّحون، امتلأت عينايَ بالدموع، ليس دموع توبةٍ أو ندم، إنما هي دموع ذكرى، لصباي الغابر، لقد غسلت لهم أيديهم قبل الطعام وبعده، وهم يدعون لي بالدعاء الصالح، أثَّر فيَّ، أن تمنياتهم لن تنفعني لأني أردتُ أن أكون. الخرطوم 11/11/1966 م) وهي رسالة إلى (عَلِيّ) أيضاً.

لكن لماذا طازجٌ هو المجذوب وحداثيّ؟!.

بهمَّةٍ أقولُ: لأنه شاعر، وأنه كلما شاعرٍ لا بدَّ طازجٌ وحديثٌ منذ هوميروس، وليس نهايةً بآخر شاعرٍ يسود الآن روحَه شعراً؛ فالمجذوب طازجٌ في رائجِ شعرهِ وغميسهِ، سيرة، المولد ..إلخ، وفي ديوانه (تلك الأشياء) ص 154 قصيدة اسمها (أرق) في 30/11/1943م:

الطلحُ ينفحُ غيمه متعلقاً يهوي بِكَشْفٍ عن قباب العاجِ

في معصميكِ أساورٌ بسَّامةٌ وقلائدٌ في خلوةٍ مِغْنَاجِ

تُذكِّر بأجواء قصيد: (غمائم الطلح) في ديوان نار المجاذيب، والتي كلها وصفٌ طازجٌ لـ(مُتَدَخِّنَة)، فطزاجة الوصف هي ديدنٌ عند المجذوب، أنظره في (شحاذ في الخرطوم) _ديوانه الصادر في العام 1984م عن دار الثقافة للنشر والإعلان_ نقرأ:

(..وينشطُ بالنداءِ تارةً متلفتاً: كأنما يبصره أتوه بالغداء، حُلْمٌ يَنْسَلُّ في نهارهِ الكفيف، دجاجٌ محمَّرٌ، ما هذه الأشياءُ الْمُتَحَرِّشَةُ الصارخةُ الرائحة، وَجَدتُ ريقي كما الصَّحَن، الكَتْلَة؟!).

ومجلة الآداب جامعة الخرطوم نشرت للمجذوب قصائد، أشارت إلى أنها تُنْشَر لأول مرة، هي قصائد إنحلَّت من القافية، شعرٌ حرٌّ أو قصائد التفعيلة، وكان ذلك في خمسينيات القرن الماضي، أذكر وصفه الحريف لموظَّفٍ طَاوٍ جريدته، كما لم ينس (حُقَّتَهُ الظَّريفَة). والمحيِّر في المجذوب ليس طزاجته النوعية، بل غزارة إنتاجه، وهو غير المتفرغ للفن كما يعبِّر هو في رسالته للشاعرة الإنجليزية روزماري _ هي رسائل باللغة الإنجليزية، تعدُّ من النثر الرفيع (أؤكد لكِ أنه لاتوجد علاقة، إطلاقاً، بين الأرقام والفن، والأمر الغامض هو كوني محاسباً). أول نوفمبر 1966 م الخرطوم – المجذوب والذكريات ص 196. تلك طزاجةٌ وحداثةٌ، فلنقل جِدَّةٌ والله عجيبة.

  المعادن اليوبيليَّة، سوى ملاط المناهج المدرسية اللازب، والحجريّ تماماً، في تثبيت دوران الأرض.

بهذا الثقل أستروحُ هواء هذه الاستعادة للشاعر محمد المهدي المجذوب، وأربأُ بالقائمين عليها، في هذه المساحة بالذات، من منطلق حبيهم، أن يلفهم دوران هذه الآلية الماضوية، والتي حتماً ستصبغُ عطائهم المتميز، إذا لم ينسلوا ثيابهم _بل أعضائهم_ عنها، ويدلفوا من باب التهدين الواسع. والهدنةُ بلا شكّ هزيمةٌ للجديد.

وأكادُ ألمح خلال هذا الفعل المحدود، بوادر ذلك النزوع الارتكاسي _لا قدَّر الله_ المتمثل في ضرورة البحث عن أبٍ. الأب هو، بكل تأكيدٍ، الخطوة الأولى نحو الماضي. إن مثل هذا البحث يَنتُجُ عنه أبٌ زائف دائماً.

إن الموقف الأخلاقيّ لرواد الجديد، وطلائعه في صراعه مع القديم، هو الخصومةُ بكل أدواتها، وإعلانِ حربٍ مباركة ومقدَّسة وضروريَّة تجاهه، والنأي عن أي إغراءٍ بالمهادنة، مهما كان جلاء هذا القديم؛ فتلك المهادنةُ مهمةُ آخرين، دأبهم طحنُ الطَّحين ومضغ الماء _ (ياللحمق!). إن هذه الأبوُّات وهميِّة، ترقى إلى مقولات النقاء العرقيّ وسخفه.

ثم نأتي إلى المجذوب؛ هذا الشاعر الذي يملأ الدنيا ويشغل الناس، منذ أوانٍ بعيدٍ، ليس سوى شاعرٍ طريفٍ من طبقةِ الشعراء الطريفين؛ أمثال عبد الله الطيب وخليل عجب الدور وعبد الرحمن علي طه وأضرابهم شعراء الكتيبة، وإن كان على القمةِ منهم. والشاعر الطريف ذلك الذي يُحيلُ الحياة إلى نَظم:

(الله الله على الكِسْرة

بيضاءَ تهيجُ لها الحضرة).ولم يخرج إلا قريباً من هذا الإطار. ليس هو الشاعر الباحث عن المجاز، الذي يُهرْمِن الموجودات.