جابر حسين: مبتدع الصور الشعرية والبراعة الفنية

مقالات, ملفات خاصة

أوائل الأربعينيات من القرن الماضى، حدث صراع مكشوف بين الرؤى المحافظة للقصيدة التقليدية العربية، وبين الرؤى الجديدة التى تستلهم الأصول المحلية التى تأخذ من الثقافة الغربية الوافدة على بلادنا وقتذاك، وشكلت –عملياً –تعديلاً ملحوظاً فى مسار القصيدة وتطورها، وهذا ماجعل شاعراً ولغوياً محافظاً مثل د. عبدالله الطيب ينظم شعره على شتى الضروب من الأوزان المألوفة وغير المألوفة، ثم عاد إلى أوزان الخليل مطالعها ومقاطعها ! ولكنه – تماماً وكما فعل من بعد معاصره المجذوب – لم يستطع أبداً أن يتجاوز تلك التقليدية التى تمسك قصائدهم من أعناقها، فلم يلبث أن جدد الدعوة (حارةً وجياشة) للعودة إلى أصول الثقافة العربية فى الشعر السوداني!! ونرى – فى ذات السياق – ناقداً مرموقاً مثل إحسان عباس يقول عن الشعر السوداني فى تلك الفترة: (الجانب التصويرى فيه قد تغلب على الجانب التقديرى، ويتمثل هذا فى إتاحة التفرد الذاتي وإستبطان البراعة الفنية واللغوية الموجودة فى البيئة الشعبية) . ( 1 )

المجذوب فى تقديرى مبتدع صور شعرية لا يبارى، ونقول بضميرٍ مطمئن أن أسهامه الكبير يكمن فى هذه النقطة بالذات، وإنها بمثابة الجوهرة المشعة فى مسيرته الشعرية، لقد جعل من الصورة – فى تجلياتها المبدعة كلها – فى مكان القلب من جسد قصيدته الحديثة .

لقد أجرى ” الصورة ” فى مجرى الدم السيال من قصيدته ثم علقها على عنق شعرنا الحديث، فعل ذلك وهو الشاعر الكبير الذى أعتنى أيما عناية باللغة فى قصيدته، بل أنه عالجها بحذقٍ وذكاء موهوب حين زواج بينها كفصحى، وبين لغة الحياة اليومية لدى الناس البسطاء فى أطوار حياتهم العادية، فألبسها ثوب الواقعية العفى، وإبتعد بها – بيقينٍ ووعى عميق – عن الفصحى التى لا تصاحب الناس فى معاشهم، بل تبتعد عن لسانهم ومعاشهم ! نقول ذلك ونحن نعرف أنه قد قال يوماً (ليس لى مذهب شعرى، فقد حاولت التعبير عن نفسى بصدق، ولم ألتفت إلى مذهب نقدى، ولم أجعل اللغة غاية، وأخشاها، وأشتهى الخروج على قوانينها الصارمة، ولا أعرف تقطيع البيت على التفاعيل، ومازلت أتعجب ممن يطبق هذا التركيب وأشهد له بالبراعة) . (2)

قال بذلك، لكنه أهتم وكثيراً جداً ليزاوج بين جزالة الفصحى وبساطة العامية وواقعيتها، وبدأ فعلياً يجرى فى قصيدته تلك التجارب اللغوية منذ أواخر الخمسينيات وحتى أخر ماكتب من شعر ! لقد أخذ من القصيدة التقليدية ” زمانها ” الذى هو أحد ملامح كلاسكيتها، ونعنى به ذلك ” الزمان ” التقليدى نفسه التى ظلت القصيدة تدور حوله وتحاوره ماإستطاعت إلى ذلك سبيلاً دون أن تتجاوزه أبداً ! أدرك المجذوب أن دوران قصيدته حول ذلك “الزمان” يقعِد بها، ويفقدها حرارة الواقع ووهجه الذي هو – وقتذاك – كان سبيل القصيدة الوحيد للإنطلاق نحو الرؤى الحديثة فى سماتها الواقعية التى تكتنز بها بيئة الشاعر من حوله، وبجرأةٍ وكبرياء الشاعر الكبير أخذ ينشئ شعره مستلهماً “الزمن” الواقعى الجديد، والحال كذلك، كان من الطبيعي أن يُدخل فى تضاعيف قصيدته التعابير الجديدة والتراكيب المبتدعة، أصبح يتناول حياة الناس البسطاء من حوله مستخدماً تلك اللغة التي ماعرفتها أبداً القصيدة الكلاسيكية التي حفظ الكثير منها وأنشأ على منوالها قصائده الباكرة كلها!

الإنتقال “بزمانية” القصيدة إلى واقع الحياة وبلبالها، هو أسهام المجذوب الكبير، حين طرق على هذا الطريق وأضاء جوانبه مما أتاح للتجارب الشعرية من بعده أن تسير بثقةٍ كبيرة فى دروب شتى، شكلت فى مجملها التطور الباهر للقصيدة الحديثة فى إتجاهاتها وسماتها،هذا الإسهام هو الذى جعل عبدالهادى الصديق يقول عنه: (…ثم نجد شاعراً مثل محمد المهدى مجذوب يطرح هذه الأصول جميعاً فى سطور شعره، فتجد فيه المكان السودانى بكل تفاصيله وملامحه المتفردة، وتجد عنده النغم الصوفى العذب واللفظة العربية الضخمة بكل زخمها وخشونتها، إلى جانب التعبير الشعبى بكل سذاجته وبساطته )) . ( 3 )

ولقد كان إستخدامه لهذه المؤثرات الفنية، فى زمانها الواقعى، هو مفتاح النجاح فى شعره،وأصبح شعره يصور ببراعة كل أبعاد الحياة السودانية … فأنظر إليه كيف يصور المرأة السودانية في “حفرة الدخان ” فى قصيدته “غمائم الطلح” :

(( وحفرة بدخان الطلح فاغمة..

تندي الروادف تلويناً وتعطيرا

لمحت فيه – وما أمعنت – عاريةً…

تخفي وتظهر مثل النجم مذعوراً !

مدت بناناً به الحناء يانعةً..

ترد ثوباً إلى النهدين محسورا

لقد لفها العطر لف الغيم منتشراً

بدر الدجى وروى عن نورها نورا !

يزيد صفرتها لمعاً وجدتها..

صقلاً وناهدها المشدود تدويرا!

أرخى الدخان ستراً فبعدهُا

كدُرةٍ في ضمير البحر مجسورا!))

ويمضي عبدالهادي ليقول أن مثل هذه الصور هى التي كرست المجذوب كأول من أرتاد هذا الأفق من الواقعية التى تهتم بتفاصيل الحياة السودانية الدقيقة، حتى إذا أهلت الخمسينيات بالشعر الواقعى سار الشعراء الشباب فى هذا النحو من التعبير، والذى يبدو أكثر وضوحاً عند صلاح أحمدإبراهيم وجيلى عبدالرحمن وسيد أحمد الحردلو وأخيراً محمد المكى إبراهيم من شعراء الستينيات . ( 4 )

وظل المجذوب متأرجحاً ومتجاذباً فى صيرورته الشعرية العجيبة، بين صوفيته التى هى مجاله الحيوى فى قصيدته، وبين توقه للتمرد والتجاوز، ذلك التمرد والتجاوز الذى كان يتمناه ويخشاه فى ذات الوقت! وحتى فى صوفيته نجده قد ألبس قصيدته لبوسها كلها، ولكنه – أيضاً ماإستطاع أبداً أن يصعد بها إلى ذراها العالية كما نجدها عند أبن عربى أو الحلاج أو السهر وردى المقتول، لم يأخذ قصيدته إلى تخوم تجلياتها ذات الإشراق الذى يجعل القصيدة تشف وترق لتبلغ المعانى والقيم الشفيفة للتصوف، لقد (قعد) بها حيث تكون الناس البسطاء من مريدى الصوفية وحيرانها الكثار ! نجد ذلك واضحاً فى قصيدته الشهيرة (الموُلد) التى أزدحمت بالصور الجميلة للتصوف الشعبى، فى المكان الذى سماته كلها هى ملامحه القديمة ذاتها ولكنه أسقطها – كصور شعرية بديعة – فى الزمان الراهن لحياة الناس ! وظل – أيضاً – فى مظاهر تمرده الشخصى غير مستطيع أن يمضى بتمرده إلى مبتغاه، إلى حيث تنطلق القصيدة – فى الصورة الشعرية وفى تراكيب القصيدة ولغتها – إلى حيث يكون التجديد الشعرى هو الهم الوجودى للشاعر الذى ينشد لقصيدته الإكتمال !

أنظر إليه كيف إستطاع أن يجلب إلى صورة القصيدة الزمان الواقعى – ثم كيف هو قد أدخل – ببطءٍ – وخشية ملامح التطور الذى سعى إليه فى قصيدته :-

… (( مِلْ بي إلى الحانةِ فى سُلافِها كاهِنهُ ورَوْحُ كِبرياءْ / وريشُ خُيَلاءْ/ وقطعةُ من السّماءْ/ نَقْذفُ من كُوَّنَها الأسماءَ لا نُحبُّهَا قُيُودَا/

ونَلْبَسُ الأوجُهَ لا الأقنِعَةُ المُخَصَّرَهْ/ تبرَّجََتْ فى عِطْرِهَا وأيْنعَتْ،/ وقصَّرتْ فُسْتَانَها وشَعْرَها / وسَكرَتْ بِسحْرِها وشَفَتِى عالقةُ بنَحْرِها

شُعاعُها يلَثغُ طِفلُ عاثِرُ يُضاحكُ العِثار لاعباً يخلعُ/ ظلّهُ ويرتديه

عيونُه تبحثُ فى عينىَّ عن وسادةٍ وإطرَقَتْ عيناىَ فى سُهَادى !)) (5)

المجذوب أيضاً، كان متصالحاً مع نفسه، مطمئناً إلى رؤاه، ونقصد بالتحديد أنه كان لا يريد لشعره أن ينطلق بإتجاه القصيدة الحديثة، من حيث رؤاها وزمانها واحداثها المعاصرة ..، بذرة التمرد فى دواخله تريد أن تنطلق، وتعدو وتركض، ولكنه كان يكبح إنطلاقها ويحد من حركيتها ..، حتى فى تلك اللحظات الكابية التى تمرّ به، وهو يشهد العناكب ” رقاصة الصمت ” تنسج أحلامها من السكون، وتحول بينه وبين حلمه وتوقه للحياة،وهو فى وسط ذلك الخضم من الحيرة والشك والظنون، فإننا نجده ينشد تفاؤلاً قليلاً يحتفل به :-

… (( وقامت العناكبُ المنتظرهَ

رقاصةَ الصمتِ بعرسها الخفى

تدقُّ لا تمل !

ناسجةً أحلامها من السكون فى الخفاء

تصعد للقمةِ أو تحطُ حُلماً تنقّا

تشهدها عينى فأشهد الرعبَ قد إحتفل

أشهد هذا الموت يعرف الجذّل !

وما بكيتُ بل ضحكت حينما رأيتُ ضحكة الردِّى ! )) ( 6 )

أننا لا نستطيع أن نقرأ التجربة الشعرية للمجذوب ثم نعده مجدداً فى القصيدة السودانية ..، تلك مغالاة لا نحبذها، ولكننا على التأكيد نقول بأنه أحد أهم المطورين لقصيدتنا التقليدية فى وجهتها الحديثة،ذلك هو أسهام المجذوب الكبير وريادته،وتطوافه محلقاً حول ذرى وآفاق الحداثة، التى كان يتمنى لو عاشها، في الحياة والشعر معاً !

هــوامش :

(1)أحسان عباس – الشعر السودانى، نظرة تقومية .

مجلة الدراسات السودانية – إكتوبر 1971م ص ( 20 ) .

(2) من مقدمته لديوانه ” نار المجاذيب ” .

مطبعة التمدن 1968م . الخرطوم .

(3)عبد الوهادى الصديق – أصول الشعر السودانى – دار جامعة الخرطوم للنشر – الطبعة الثانية 1989م – ص ( 149) .

(4) أنظر عبدالهادى الصديق – أصول الشعر السودانى – ص ( 150 ) .

(5) من قصيدته ” الخروج ” – ديوان : ” البشارة، القربان، الخروج ” دار جامعة الخرطوم للنشر ط أ / 1976م – ص ( 35).

(6)القربان – ديوان ” البشارة، القربان، الخروج ” – ص ( 25 ) .